قراءة في حالة باسل الأعرج!

الإثنين 20 مارس 2017 03:07 م بتوقيت القدس المحتلة

يكاد يجمع الجميع على خصوصية حالة الشهيد باسل الاعرج كحالة ملهمة وملفتة في  التاريخ الثوري الفلسطيني المعاصر، ويعود ذلك لعدة خصائص تمتع بها الشهيد وتجربته ولطبيعة النقاش الذي دار حولها في المجتمع الفلسطيني.

ربما يكون اختصاص الشهيد في التأريخ الثوري الفلسطيني الحديث والمعاصر قد أكسب خطابه وسلوكه لمسة ثورية قديمة، فمعروف عن الشهيد اهتمامه في تأريخ تلك الثورات وتنظيمه لفعاليات ميدانية تعريفية لزيادة الوعي لدى الشباب الفلسطيني حول الممارسة الثورية المستمرة مع أقل قدر من الأخطاء ومع أكبر قدر من الوعي السياسي والأمني، ولربما كان اهتمامه بمسألة الاختفاء والتدريب في الجبال، ووضوح الخطاب السياسي الذي تبناه دون اعتبارات للتوازنات السياسة المحلية والإقليمية والدولية في بداية رحلته الثورية مؤشرا على تأثره بتجربة القسام، ولكن كان واضحا أنه استنتج أن الاختفاء في المراكز المدنية أسهل نسبيا من المناطق الريفية، وبهذا خاض تجربته الخاصة في ظروف تختلف أو تتشابه مع سابقاتها في مراحل زمنية مختلفة، وهنا يخط تجربته الخاصة به التي ربما تشكل إلهاما للكثير من الشباب الذين ربما تستوقفهم جملته الشهيرة للأخذ بزمام المبادرة الثورية؛ والتي قال فيها: (فلتبحثوا أنتم).

ينتمي باسل إلى ما يطلق عليهم بالثوار الجدد، وهم جيل من الشباب الثوري الذي نشأ في مرحلة التصحر التنظيمي والثوري في الضفة الغربية خلال العقد الأخير، وما يميز هؤلاء هو كونهم حالة عابرة للتنظيمات والاعتبارات المختلفة، اجتمعت لديهم القناعة والإرادة والجرأة الاستثنائية واستخدام الأدوات الممكنة الحيازة في عملياتهم ضد مظاهر الاحتلال. 

حالة هؤلاء التي أظهرت أبرز تجلياتها في تجربة باسل أظهرت ثلة من المتمردين على الواقع الذي نتج عن الحالة المشوهة المتمثلة بمخرجات اتفاقية أوسلو على مستقبل القضية الفلسطينية، وانسداد الأفق السياسي وحالة الضغط والاستهداف الدائمة للوجود وللمقدسات الفلسطينية، ولذلك نلاحظ قداسة التضحية في خطابهم وسلوكهم، حتى ولو لم تكن بعض العمليات التي يقومون بها ذات أثر عملي واضح، بل يلمس المتابع من خطاب باسل -على وجه التحديد- حرصه على تسجيل موقف وعلى تدوين رسائل معمدة بدمه إلى جيل الشباب المستهدف ثقافيا من قبل القوى المعادية للأمة، وهنا يلمس المتابع أثر مدرسة القسام في الخطاب والممارسة لشباب هذه الحالة الثورية.

تنسب إلى باسل مقولة شهيرة كتبها مجموعة من النشطاء على بعض شوارع مدينة رام الله: (عش نيصًا، وقاتل كالبرغوث) ولهذه الجملة دلالات كبرى على الاستنتاجات التي توصل إليها من خلال الدراسة والممارسة بأن المواجهة المباشرة مع الاحتلال يجب أن تمتاز بالتخفي والتمويه والقتال الدفاعي للمتخفي مثل حيوان (النيص)، وكأنه يريد أن يقول إن الحياة باستهداف الاحتلال والتأهب الدائم لقتاله وإيذائه، بينما يرى وجوب أن تمتاز الهجمات الثورية بالتمويه والبعد عن الظهور والاهتمام بإيذاء العدو والانسحاب والمناورة دون قدرة العدو على التحكم بتفاصيل المعركة مثلما تفعل حشرة (البرغوث) الشهيرة، ونلاحظ هنا استخدامه، ومن قرروا الترويج لخطابه، لمصطلحات وإسقاطات تتعلق بقدرات الدفاع والهجوم لبعض الحيوانات في التكتيكات الثورية لحرب عصابات يمتلك العدو فيها تفوقا ناريا وجويا واستخباراتيا واضحا. 

ومن العبارات اللافتة التي دونت على جدران رام الله في استخدام (انتفاضي) قديم مقولة باسل الشهيرة: (وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد؟!)، فبهذه الجملة رسم باسل لغة المستقبل وطريق الحرية وبلاغة التنظير وخلاصة الخطاب، وحشر المنظرين في زاوية الفعل المنسجم مع القناعة والخطاب الثوريين، وربما يكون بهذه الخلاصة التي دونها بدمه فتح الباب أمام السيل البشري الذي شيعه للاخذ بزمام المبادرة الثورية بجملته اللا منتهية: (فلتبحثوا أنتم!).