عنصرية أوروبا تنكشف في الأزمة التركيا الهولندية

السبت 18 مارس 2017 11:35 ص بتوقيت القدس المحتلة

يبدو في الظاهر أن الأزمة القائمة بين تركيا وهولندا أنها أزمة بين الدولتين فقط، ولكن حقيقة الأمر أن الازمة أكبر من هولندا وتركيا ولكنها أزمة تركيا مع أوروبا ليس من اليوم بل من سنوات طوال، واليوم تنوب هولندا عن أوروبا في تصدرها لإحداث ازمات مع تركيا.

تركيا دولة ذات سمت إسلامي شرقي، وأوروبا غربية مسيحية، تركيا تريد الدخول للاتحاد الاوروبي ولكنها لم تنجح حتى يومنا هذا لم تدخله رغم أنها عضو في تحالف الناتو وتعد الدولة الثانية من حيث اعضاء التحالف بعد أمريكا؛ ولكن ذلك لم يشفع لها بالدخول للاتحاد الاوروبي حتى أن بعض الدول الاوروبية ترفض ذلك بإصرار فقط لكون تركيا دولة مسلمة حتى وإن كانت دولة قوية عسكريا واقتصاديا.

ازمة تركيا مع اوروبا وإن تصدرتها هولندا؛ ولكن هذا التصدر لها مدعوم اساسا من قبل ألمانيا وبعض الدول الاوروبية، فالجالية التركية في ألمانيا كبيرة جدا وتقدر بالملايين،  والمصالح التركية الالمانية كبيرة ايضا ولا تريد ألمانيا خسارة مصالحها مع تركية، ولا خسارة الجالية التركية في أي انتخابات قادمة فيما لو تصدرت ألمانيا إحداث الازمة مع تركيا فكان الدفع بهولندا للقيام بذلك مع وعود للتدخل لحل الازمة إلى جانب التعويض لأي خسارة أو حال تضرر المصالح الهولندية من تصدر الازمة، فكانت هولندا من منع وزيرة المرأة التركية من الوصول الى قنصلية بلادها للالتقاء بالجالية التركية والحديث معها كمقدمة لدفع الجاليات التركية في اوروبا لتأييد الاستفتاء حول ما سيطرح من نظام رئاسي في تركيا،  ثم منعت هبوط طائرة وزير الخارجية التركي في اراضيها والطلب منها بالعودة من حيث جاء، وهذا مخالف للأعراف الدبلوماسية، من هنا ازدادت الازمة حدة رغم أنه كان بالإمكان معالجة منع وزيرة المرأة التركية بطرق دبلوماسية سواء بالاعتذار او السماح لها مرة أخرى بالالتقاء بالجالية التركية من جديد.

الازمة التركية الهولندية وإن صحت التسمية الاكثر دقة التركية الاوروبية ليس سببها هو ما يسعى الرئيس التركي الطيب رجب اردوغان من الاستفتاء على تحويل تركيا من النظام الوزاري إلى النظام الرئاسي في الحكم والذي يخالف النظام المتبع في اوروبا حيث أن رئيس الوزراء هو الحاكم الفعلي للدولة الاوروبية عدا فرنسا التي شكل الحكم فيها رئاسي،  فقد يكون هذا السبب واحد من اسباب توتر العلاقة التركية الاوروبية ؛ ولكن هناك اسباب اكبر من ذلك وهو ما كشفته الازمة من حجم العنصرية التي عليها الدول الاوروبية وهي تنظر لتركيا الاسلامية وحجم الكراهية لها ورفضها حتى اليوم من السماح لها لدخول الاتحاد الاوروبي، هذا إضافة أن النظرة التركية لنفسها هي نظرة دولة تعتد بنفسها وبقدراتها واقتصادها وتعتبر نفسها دولة متقدمة وقد تفوق في تقدمها الكثير من دول اوروبا التي دخلت شيخوخة بالمفهوم السياسي والاقتصادي،  فكيف بتركيا الدولة التي لا تزال أوروبا تنظر إليها على أنها الدولة الضعيفة المستخدمة من قبل اوروبا كي تكون دولة تتلقى الصدمات عن اوروبا، أي أنها دولة وظيفية تحركها المصالح الاوروبية.

اليوم في اوروبا هناك حالة من الخوف والرعب (اسلام فوبيا) من الوجود الاسلامي في اوروبا ووجود تركيا الدولة الاسلامية في اوروبا يزيد من هذا الخوف إضافة إلى القوة المتصاعدة لتركيا اقتصاديا وسياسيا، هذه جملة الاسباب التي دفعت لحالة التوتر الدبلوماسي والسياسي المفتعلة بين تركيا وهولندا ممثلة في اوروبا وهو خوف نفسي وعنصري وعقدي.

مطلوب من تركيا موقف قوي وصلب في مواجهة عنصرية اوروبا بحيث لا يتعدى العمل السياسي والدبلوماسي بعيدا عن التعصب والابتعاد عن العقل والمنطق، والمعاملة بالمثل دون مهادنة،  ثم على تركيا أن لا تعول كثيرا على الانضمام للاتحاد الأوربي لأن اوروبا اكثر رفضا اليوم لذلك، وأن الجهد المبذول من تركيا هو مضيعة للوقت وعلى تركيا التوجه شرقا لأن هذا التوجه انفع لها مع الحفاظ على علاقات طيبة من جيرانها الأوروبيين والآسيويين، والالتفات إلى وضعها الداخلي بعيدا عن الصراعات الجانبية التي تهدف لحرف تركيا عن مسارها نحو التطور والصعود وإشغالها بقضايا جانبية،  ثم على تركيا الحذر من محاولات قد يخطط لها الغرب لتخريب الجبهة الداخلية التركية بهدف إضعافها.

نتمنى لتركيا مزيدا من الازدهار والنمو والعودة للعب دور محوري في السياسة العالمية وتكون دولة لها ما تقوله في كافة القضايا العالمية ويحسب لها حسابا، فنحن بحاجة إلى تركيا القوية المتماسكة وصاحبة الكلمة المسموعة.