تركيا وموقف الدول الأوربية المتشدد

الأربعاء 15 مارس 2017 04:03 م بتوقيت القدس المحتلة

تركيا وموقف الدول الأوربية المتشدد

نجح حزب العدالة والتنمية في جعل تركيا قوة إقليمية لها دور فعال في المنطقة، عقب انحسار دورها بشكل كبير جراء الانقلابات العسكرية المتواصلة التي أثرت على الحياة السياسية في تركيا، وأدت إلى تخلف الدولة التركية في مختلف المجالات، واستطاع الحزب خلال سنوات قليلة دخول قائمة الدول العشرين الأقوى اقتصاديًا على مستوى العالم، ويطمح الحزب في الوصول إلى الدول العشر الأقوى اقتصاديًا خلال الاحتفال بالذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية عام 2023.

وبنى حزب العدالة والتنمية نظريته في تطوير تركيا على عاملين أساسيين: التطور الاقتصادي، وتصفير المشاكل مع الدول المجاورة وتكوين صداقات واسعة مع العديد من الدول، لتحقيق الاستقرار السياسي الذي يخلق مناخًا مناسبًا للاستثمار، والتطور الاقتصادي، وتحقيق التنمية في مختلف المجالات، ولتصبح تركيا من القوى الفاعلة في المنطقة التي لها تأثير قوي في أحداث الشرق الأوسط.

واستطاعت تركيا من خلال هذه السياسة المحافظة على استقرارها الداخلي والخارجي، وعدم الخوض في صراعات تنهك الدولة التركية، وتقوض التنمية الشاملة التي تقوم بها، وعملت على تحييد الجيش والحد من سيطرته على الحياة السياسية في تركيا.

ومع بداية ثورات الربيع العربي، وجدت تركيا نفسها أمام تغييرات جذرية وهائلة في المنطقة، مما أجبرها على اتخاذ موقف حاسم؛ إما الوقوف مع الشعوب الثائرة، أو الأنظمة الاستبدادية التي أنهكت الشعوب وسلبتها كل حقوقها وحرياتها، فاتخذت تركيا موقف المدافع عن الشعوب الثائرة ضد الأنظمة الاستبدادية، مما عرضها للكثير من المشكلات سواء على الصعيد الأمني أو الصعيد السياسي.

وكان موقف تركيا من النظام السوري واضحًا منذ البداية، حيث طالبت بتنحي الرئيس السوري عن السلطة، وتجنيب سوريا الكثير من إراقة الدماء، ولكن النظام أبى إلا أن يحافظ على سلطته مهما كان الثمن، وحتى لو كان الثمن تدمير سوريا بأكملها، وحاولت تركيا الدفع بكل قوتها من أجل إسقاط النظام السوري، من خلال دعم المعارضة السورية بالسلاح، وتسهيل مرور المقاتلين القادمين من خلال أراضيها، واستعانت بالنظام المصري الجديد الذي قام عقب ثورة 25 يناير من أجل إنجاح الثورة السورية، والتخلص من الأسد في أسرع وقت ممكن، ولكن الانقلاب العسكري الذي قام به عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو قلب كل الموازين في المنطقة، وجعل تركيا وحيدة في صراعها مع النظام السوري، عقب تخلي أمريكا والدول الأوروبية عن وعودها في مساعدة تركيا في حل الأزمة السورية.

وعقب التدخل الروسي في سوريا استعاد النظام زمام الأمور، وبسط سيطرته على معظم المناطق السورية، بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من نهايته على يد المعارضة السورية، فأصبح موقف تركيا أكثر ضعفًا، وما زاد الطين بلة هو محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذها الجيش التركي في 15 يوليو (تموز) عام 2016، والتي زادت الأمور تعقيدًا وأصبحت تركيا تعاني على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وبالرغم من استفادة حزب العدالة والتنمية من هذه المحاولة بتقويض سلطات الجيش، التي كانت مسيطرة ولعقود طويلة على الحياة السياسية في تركيا، إلا أن المحاولة الانقلابية الفاشلة أثرت بشكل سلبي للغاية على الاقتصاد التركي، الذي كان أهم إنجازات الحزب طوال فترة توليه مقاليد الحكم في تركيا.

في الوقت ذاته، كان الموقف الأمريكي والأوروبي غامضًا وبشكل كبير تجاه المحاولة الانقلابية الفاشلة، مما دفع الرئيس التركي رجب طيب أر دوغان إلى مهاجمة الموقف الأمريكي والأوروبي المتخاذل في دعم تركيا عقب المحاولة الانقلابية الفاشلة، واتجهت تركيا إلى إصلاح علاقاتها مع روسيا التي تجمدت بعد قيام تركيا بإسقاط مقاتلة روسية عبرت الحدود، مما زاد من حدة التوتر بين تركيا والدول الأوروبية.

وبلغ التوتر بين تركيا والدول الأوروبية ذروته، عقب منع هولندا طائرة وزير الخارجية التركية من الهبوط على أراضيها، وأعلنت أنه غير مرحب به في هولندا، ومنعت وزيرة القوى العاملة في تركيا من الدخول إلى أراضيها، مما دفع أردوغان إلى وصفهم بالفاشية والنازية، والتصريح بأنه سيعاقب هولندا بكافة الإجراءات الدبلوماسية المتبعة، وقد أبلغت تركيا السفير الهولندي في تركيا بعدم العودة إلى أراضيها عقب انتهاء إجازته، وأنه غير مرحب به ردًا على ما فعلته هولندا.

ويبدو أن الأيام القادمة ستشهد تصعيدًا بين تركيا والدول الأوروبية بشكل عام، التي لا ترغب في رؤية تركيا ضمن دول الاتحاد الأوروبي، وتسعى تركيا منذ عدة عقود للدخول ضمن الاتحاد الأوروبي، ولكنها قوبلت بالرفض من قبل الدول الأوروبية التي لا ترغب في رؤية تركيا الدولة القوية وذات الأغلبية المسلمة ضمن الدول الأعضاء.

إن الموقف الأوروبي يدل على مدى الكراهية والعداء الشديد تجاه تركيا بشكل عام، وتجاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يعتبر في نظر الكثير من الدول الأوروبية سلطان عثماني جديد يحاول استعادة أمجاد الدولة العثمانية.

وما تشهده تركيا في هذه الأيام من تحولات كبرى وخاصة على الصعيد الدستوري، حيث سيقام استفتاء في شهر أبريل على التعديلات الدستورية التي ستحول النظام البرلماني إلى نظام رئاسي، يثير القلق في الدول الأوروبية التي لا ترغب في رؤية تركيا دولة مستقلة ذات سيادة وقدرة على مواجهة السياسات الأوروبية التي تسعى إلى إبقاء منطقة الشرق الأوسط مشتعلة مما يخدم أهدافها الاستعمارية.