قناة تفاوض سرية جديدة تنكشف.. ماذا بعد؟

الأربعاء 15 مارس 2017 02:50 م بتوقيت القدس المحتلة

في مقاله بصحيفة “إسرائيل اليوم” الجمعة الماضية، تحدث السياسي الإسرائيلي اليساري المعروف “يوسي بيلين” عما كشفه موقع “أمريكان إنترست”، نقلا عن زعيم المعارضة الإسرائيلية مايك هرتسوغ ممثلا في قناة تفاوض سرية (أمريكية- إسرائيلية- فلسطينية)، استمرت لعامين (2013، 2014).

في هذه القناة السرية شارك مندوبون رسميون وغير رسميين من الأطراف المذكورة. بينهم: هرتزوغ نفسه، إسحق مولخو، (المحامي المقرب من نتنياهو، ورجل مهماته السرية)، حسين الآغا، المقرب من رئيس السلطة محمود عباس، ودينيس روس الذي عمل سابقا كمبعوث أمريكي لكل قنوات السلام بين الكيان الصهيوني والدول العربية، وأحد مهندسي اتفاق أوسلو.

حسب يوسي بيلين، لم تسفر المحادثات عن ورقة تفاهم، “لكن الإحساس أنه كان هناك تقارب كبير، خرّب عليه الانتقال إلى المسيرة العلنية، بإدارة وزير الخارجية الأمريكي”.

يواصل “بيلين” كلامه قائلا: “يروي هرتسوغ عن قناة نشطة جدا، كان نتنياهو مشاركا في تفاصيلها، واستثمر فيها وقتا طويلا (عباس فضّل عدم الدخول في التفاصيل). لم يعارض الفلسطينيون طلب إسرائيل تجريد الدولة الفلسطينية من السلاح، وافقوا على تواجد الجيش الإسرائيلي على حدود الأردن لخمس سنوات، واستبداله، بعد ذلك، بقوة متعددة الجنسيات. أما نتنياهو فأراد أن يبقى الجيش الإسرائيلي على نهر الاردن دون قيد زمني.. في موضوع اللاجئين، وافق الطرف الإسرائيلي على دخول فلسطينيين كأفراد، في إطار إنساني. صخرة الخلاف المقدسية كانت هنا أيضا عاملا وجدت الأطراف صعوبة في التغلب عليها. اقترح الأمريكيون اعترافا فلسطينيا بإسرائيل كدولة يهودية مقابل اعتراف إسرائيلي بشرق القدس كعاصمة الدولة الفلسطينية. واقترح الطرف الإسرائيلي إبقاء الوضع في القدس دون حسم في هذه المرحلة”.

عباس لم يأخذ المقترح الأمريكي على محمل الجد، بعد أن رفض الإسرائيليون تحرير الدفعة الرابعة من الأسرى، معتبرا أن من لا يضمن تحرير عدد من الأسرى (الأمريكان)، لن يضمن موافقة إسرائيلية على أن تكون القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية، وهذا صحيح بالطبع، لأن الإسرائيليين يرفضون ذلك بشدة، ولو وافقوا عليه في كامب ديفيد، صيف العام 2000، لما فشلت المفاوضات.

هنا يتدخل “بيلين” ليقول “إذا كان الهدف هو الوصول إلى اتفاق دائم الآن، فالفشل مضمون. الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والخطوط الحمراء لنتنياهو لا تسمح بالوصول إلى حل كامل وتحقيقه”.

ويضيف: “ما يمكن، أغلب الظن، عمله في الوضع السياسي الحالي هو الشروع الفوري في قناة سرية تعمل خلال أشهر قليلة على إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة.. بجانب ذلك، يتم خلق رؤيا بالنسبة للتسوية الدائمة، تعرضها الولايات المتحدة أو الرباعية، دون أن يرفضها الطرفان أو يتبنيانها. ويُطلب من الدول العربية أن تكون جزءا من المسيرة وأن تقترح خطوات هامة من جانبها، قبل تنفيذ التسوية الدائمة. ومع إقامة الدولة الفلسطينية تبدأ مفاوضات بين حكومتها وبين حكومة إسرائيل على كل المواضيع الدائمة. وتستمر المفاوضات بضع سنوات كما هو متفق مسبقا، وفي الأثناء تبقى المسؤولية الأمنية عن المنطقة غربي نهر الأردن في يد إسرائيل”.

وينتهي “بيلين” إلى القول: “اتفاق دائم كهذا، حين تقوم دولة فلسطينية مجردة في المرحلة الأولى، بينما تبحث المواضع المختلفة على مدى السنين، قد يكون الخيار الوحيد القابل للتحقق في المستقبل القريب”.

ما الذي يعنينا من كل هذه القصة؟

ما يعنينا أولا هو أن قيادة الشعب الفلسطيني كانت تكذب على الناس حين كانت تعلن رفض التفاوض مع الصهاينة، بينما هي تدير معهم مفاوضات سرية، ويبدو أن عباس يستمتع بهذا النوع من المفاوضات أكثر من العلنية، وله تراث في أوسلو، بينما خاض مفاوضات علنية مع الثنائي (أولمرت وليفني) لم تصل إلى نتيجة، وبالطبع بسبب التعنت الصهيوني.

أما البُعد الثاني الذي يعنينا هنا فهو أن انضمام “بيلين”، كيساري مخضرم، وكذلك هرتسوغ، إلى أنصار فكرة “الحل الانتقالي بعيد المدى” يعني أنه أصبح البضاعة الوحيدة المتداولة في الأوساط الإسرائيلية، مع العلم أنه كان كذلك منذ 2004، وهو ذاته الذي يمضي فيه عباس برفضه المقاومة، وعمله الدؤوب من أجل إعادة الوضع إلى ما كان عليه عشية الاجتياح الصهيوني للضفة، ربيع العام 2000، فيما عرف بعملية “السور الواقي”.

أصل المشروع كان من شارون، وبدايته كانت الانسحاب من غزة، ولبيريس تنظير فيه بمسمى الدولة المؤقتة، ولنتنياهو تسمية أخرى (السلام الاقتصادي).

اليوم، وعلى خلفية مجيء ترامب إلى السلطة في واشنطن، وتبعا لتداعيات الحريق الذي يجتاح المنطقة، وانشغال قطاع من العرب بالتحدي الإيراني، تظهر إضافة أخرى على المشروع، تتمثل في مشاركة العرب فيه، أي أن يتم بغطاء عربي، ومع عمليات تطبيع عربية مع الكيان، سيتم تبريرها بالمواجهة مع إيران، أو بمقولة “نقبل بما يقبل به الفلسطينيون”.

خلاصة هذا البرنامج هي دولة مؤقتة في حدود الجدار الأمني على 40 في المئة من الضفة، مع قطاع غزة، بدون سيادة ولا قدس ولا لاجئين، وتغدو هذه الدولة في حالة نزاع حدودي مع “جارتها”، وبمرور الوقت يتحوّل المؤقت إلى دائم، وكفى الله عباس والعرب مؤونة القتال. هل كانوا يقاتلون أصلا؟!!

عباس يعلن رفض الحل المؤقت، لكنه يكرّسه واقعا على الأرض، وما يأمله الصهاينة في ظل الأوضاع الجديدة هو دفعه للقبول به؛ بضغط أمريكي، مع ضغط عربي، والمؤشرات مخيفة بلا شك.

لن يوقف هذه الكارثة التي تتحرك على الأرض، حتى لو بقي الرفض اللفظي قائما، سوى تصاعد الانتفاضة، وأخذ الشعب لزمام الأمور، وقلب الطاولة في وجه الجميع.