الدقامسة.. يا لجمالِهِ بعد عشرين عامَّاً!

الأربعاء 15 مارس 2017 12:12 م بتوقيت القدس المحتلة

الدقامسة.. يا لجمالِهِ بعد عشرين عامَّاً!

تحرر الأسد من قبضة القفص البارد، خرج ليبصر النور من جديد ويعانق الحياة خارج قضبان السجن المعتم خارج المصباح الذي دُفِنَ فيه مثل مارد، اختاروا أن تكون لحظات الإفراج عنه مستترة عن العيون، في أوقات هادئة حتى لردة فعلٍ سعيدة من أحبابه يقلّلون، كنتُ أتصور أن أراه عابساً شاحباً لا دم يجري في عروق وجهه ولا حياة، لكنه كان نابضاً مشرقاً مثل شمس الحرية فما أحلاه، كان في كامل أناقته مثل عريسٍ في ليلة زفافه، سار مثل البدر بين رفاقه وأحبابه، تزيّن بدلة سوداء راقية جسده الذي لم تمزقّه أعمال السجن الشاقة، بل كورّت عضلاته أظهرت قامته بمنتهى الصلابة والرشاقة، وشعره الأسود قد تخلله الشيْب وأضفى بريقاً ساحراً على إطلالته.

مثل نجمٍ من هوليود تلاحقه كاميرات المعجبين تحاول استمالته، وصل الحبيب المنتظر قريته إبدر لتستقبله الجموع بالعناق والقبلات، بدموع الفرح المكسوّة بالآهات، بمزيج من صرخات النصر والهتافات، وصوله إلى قريته أشبه بهطول مطرٍ بعد صلاة استسقاء جميلة، حضوره مثل ولادة طفلٍ لأبويْن محروميْن من الأطفال لسنين طويلة، عودته بعد عشرين عاماً من الحرمان، أحلى من قوس قزحٍ يفترش حضن السماء بأزهى الألوان، غابت أمه عند لقائه عن الوعي لم تتماسك البتّة، أغرقتها الفرحة في غيبوبة مؤقتة، كم كان مشتاقاً لتقبيل يديْها وجبينها الحنون المرصّع بالمجوهرات، كم كان مشتاقاً لأن يغفى بين ذراعيها لتحصنّه بالرقية الشرعية والمعوذات، زوجته الصابرة الوفيّة النادرة النقيّة ما تخلّت عنه أبداً وما هجرته، عاشت العمر كله أفنت شبابها جُلّه في انتظاره ما تركته، بالورود وعطور المسك والعود استقبلته.

يكفي أنك علمتنا أن السجن لا يغيّر جمال النفوس، فخروجك من زنزانتك بكامل وسامتك بوجهٍ مشعٍ بشوش، أعطى للـ"مُكرسحين" في بيوتهم.. لمعانقي وسائد ريش النعام.. لحالقي لحاهم؛ أعظم دروس.

ترك البطل ابنته وهي طفلة رضيعة، ليعود ويراها شابّة فاتنةً زوجةً وحاملاً تنتظر أن تهدي أباها الحفيدة المطيعة، سعادته في عودته لعائلته فاقت الوصف، كم كان محروماً من نبع عطائهم وحبهم وما يحملونه في قلوبهم من مودةٍ وعطف، كيف سرق أولئك منه أحلى سنين عمره؟ ما الذنب الذي ارتكبه ليجعلوا من السجن موطنه ليقف عائقاً بينه وبين حلمه؟ أيعاقب البطل بالحبسِ المؤبد؟ أنجعل من السجن مكافأة لرجلٍ استثنائي مثل أحمد؟؟ أم يُنصب لبطولته تمثال شامخٌ لتبقى شجاعته في أذهان البشر وتتخلّد؟

أن تكون جندياً حراً أبيّاً يعني أنك لا تساوم، ولا تخضع لغير الله وكل محاولات القمع تقاوم، أن تكون أحمد الدقامسة يعني أن السجن لا يرعبك ولا يخيف أمثالك، لا يثنيك عن المضي قدماً لا ترتجف له أوصالك، تصوّب بندقيتك في وجه العدو ضارباً اتفاق وادي عربة وراء ظهرك، جاعلاً من الباقورة نقطة انطلاقتك لملاقاة عدوّك، تزلزل وقع أقدامك كل من هم حولك، أن تكون مثل أحمد يعني أن تؤمن أنه بقتلك اليهوديات السائحات لن يرحموك ولن يتركوك دون عقاب، ولكنك رغم ذلك قتلتهنّ بكل جسارةٍ وانتقمت لشرف أمتك الضائع وفعلت عين الصواب، جنودٌ كثرٌ يحرسون الحدود بكل هدوء ورضوخ، لكنَّ أحمد ليس مجرد جندياً عادياً يقفُ عاجزاً ويرضى لرجولته الخنوع، بل دخل تاريخ البطولة من أوسع أبوابه، وصار القدوة لأبنائه وأصحابه.

تغيير المنكر حسب منهج ديننا الحنيف، باليد ثم اللسان ثم القلب وذاك أضعف الإيمان، وهكذا نحن في مقاومتنا للاحتلال! بعضنا اكتفى بالدعاء، بعضنا تعلو أصوات حناجرهم في المظاهرات مطالبين بحق العودة وتعانق هتافاتهم آذان السماء، وآخرون مميزون، لا يتكررون، لا يخافون، هؤلاء من قال عنهم مارسيل خليفة منتصبو القامة يمشون، مرفوعو الهامة يمشون، في كفهم غصنة زيتون، والنعش على أكتافهم يحملون، هؤلاء من قالت عنهم جوليا بطرس الثورة والغضب وأمل الأجيال ، النار التي تحرق الأعداء بقوة الإيمان وحرارة لهب الأبطال، هؤلاء ليسوا بإرهابيين ليُسجنوا عشرين عاما.

بينما يعيث الأشرار الفساد خارج السجون أكواماً، هؤلاء ليسوا بمجرمين لنعاقبهم بالنفي والحبس، هؤلاء من يطلقون رصاصاتهم في وجوه أعدائهم وإن خذلتهم بنادقهم استعانوا بفنون الطعن والدهس، فمنا إليك يا أيها الدقامسي ألف تحية وسلام، نرفع لبسالتك قبعاتنا ننحني لشجاعتك بكل احترام، يكفي أنك علمتنا أن السجن لا يغيّر جمال النفوس، فخروجك من زنزانتك بكامل وسامتك بوجهٍ مشعٍ بشوش، أعطى للـ"مُكرسحين" في بيوتهم.. لمعانقي وسائد ريش النعام.. لحالقي لحاهم؛ أعظم دروس.

سلامٌ أصفرٌ مدججٌ بالسخرية لتلك النائبة الأردنية، من ظهرت في تسجيل فيديو وتفوهت بكلمات غبية، محاولةً التستر على الحقائق وطمرها وجعلها منسية، مهنئة شعبنا بالإفراج عن الدقامسة من السجون (الإسرائيلية)!