أوراق الربيع (12).. الثورات تنحني ولا تنكسر

الثلاثاء 14 مارس 2017 08:00 م بتوقيت القدس المحتلة

أوراق الربيع (12).. الثورات تنحني ولا تنكسر

ضمن السعي إلى فهم ثورات الربيع العربي، سعى الدارسون إلى البحث عن نموذج تاريخي مشابه، يمكن أن يوفر عبرة تُعين في تحليل الربيع العربي، وفهم منطقه الداخلي ومآلاته. فمال بعض الباحثين الغربيين إلى إدراج ثورات الربيع العربي في نظرية "الموجات الديمقراطية" التي صاغها العالم السياسي الأميركي صمويل هنتنغتون. فقد ذهب هنتنغتون في كتابه (الموجة الديمقراطية الثالثة) إلى أن الديمقراطية انتشرت في العالم المعاصر في صيغة موجات ثلاث.

 فقد بدأت الموجة الأولى في مطلع القرن التاسع عشر، وانتهت في الثلث الأول من القرن العشرين بصعود الفاشية والنازية في أوروبا. وتلاها تراجع في توسع الديمقراطية لغاية نهاية الحرب العالمية الثانية. وبدأت الموجة الثانية من نهاية الحرب العالمية الثانية واستمرت إلى نهاية الستينات. وتلاها تراجع قصير الأمد لغاية منتصف السبعينات حيث بدأت الموجة الثالثة بالانقلاب العسكري الديمقراطية في البرتغال، وامتدت على مدى الثمانينات والتسعينات في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية وأفريقيا.

 وكان لكل من الموجات الديمقراطية الثلاث أسبابها وسياقها الخاص، فأسباب الموجة الأولى والثالثة اجتماعية واقصادية في عمقها (فقر وتفاوت طبقي...الخ)، وأسباب الموجة الثانية سياسية-عسكرية بالأساس (حيث رسم الحلفاء مسارا ديمقراطيا في الدول المهزومة). وقد أدرج أصحاب نظرية "الموجات الديمقراطية" الربيع العربي ضمن هذه الموجات، فاعتبروه موجة رابعة من التوسع الديمقراطي في العالم. ثم عاد بعضهم بعد سطوة الثورة المضادة لسحب هذا الوصف عن ثورات العربي.

 في التشبيه بين ثورات 1848 الأوربية وثورات الربيع العربي كتب فوكوياما: "لعل أوروبا القرن التاسع عشر تشكِّل -في الواقع- سابقة أفضل لـ[فهم] التغيير السياسي في العالم العربي

لكن فرانسيس فوكوياما رفض إدراج الربيع العربي ضمن الموجات الديمقراطية، بل وجد شبهاً بينه وبين بعض الثورات المتوازية في أوروبا منتصف القرن التاسع عشر، وهي المعروفة بثورات عام 1848. وقد عُرفتْ تلك الثورات باسم "ربيع الأمم" و"ربيع الشعوب"، وشملت إيطاليا وفرنسا وهولندا وألمانيا والدنمارك ودولا أوروبية أخرى، ولم تؤت ثمارا مباشرة في شكل تحول سياسي عميق إلا في دولتين أو ثلاث، وتعثرت في دول أخرى لتنبعث بعد حين.

 فقد ذهب فوكوياما في كتابه (النظام السياسي والانحطاط السياسي) -الذي صدرت ترجمته العربية مؤخرا عن (منتدى العلاقات العربية والدولية) في الدوحة- إلى أن فهم الربيع العربي في مغزاه التاريخي ومآلاته يقتضي قياسَه على الثورات الأوروبية منتصف القرن التاسع عشر، لا على الموجات الديمقراطية التي رصدها هنتنغتون.

 وفي التشبيه بين ثورات 1848 الأوروبية وثورات الربيع العربي كتب فوكوياما: "لعل أوروبا القرن التاسع عشر تشكِّل -في الواقع- سابقة أفضل لـ[فهم] التغيير السياسي في العالم العربي." وبنى هذا الحكم على خلاصة مفادها أنه "توجد تشابهات عدة بين العالم العربي المعاصر وأوروبا قبل قرن من الزمان." وهي تشابهات ترجع إلى المعطيات الاجتماعية والثقافية، حيث "يشهد الشرق الأوسط اليوم النوع نفسه من التحول الذي عاشته أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر خلال مرحلة الانتقال من القرى التقليدية إلى المدن الحديثة، بكل ما يستتبعه ذلك من تفكك وانحرافات وفوضى الهوية."

 ويعني هذا الشبه بين الثورات الأوروبية والربيع العربي حاجة الشعوب العربية إلى الاستعداد لرحلة طويلة إلى الحرية السياسية، ربما تكون أطول من "رحلة" نيلسون مانديلا التي تحدث عنها في مذكراته: (رحلتي الطويلة من أجل الحرية)، وربما تكون أصعب من "هروب" علي عزت بيغوفيتش الذي تناوله في مذكراته: (هروبي إلى الحرية). لكنه يعني أيضا أن هذه الثورات ستؤتي ثمارها في نهاية المطاف، وأنها مسار تاريخي لن يعود إلى الوراء.

 وفي هذا السياق ينتقد فوكوياما الباحثين الذين يحكمون على ثمرات العربي في بضع سنين، غير عابئين بدرس التاريخ، فيقول: "إن المراقبين الذين ينتقدون النتائج الفوضوية لهذه الانتفاضة، ويجادلون بأنها لا يمكن أن تقود على المدى البعيد إلى نتائج ديمقراطية إيجابية، يفشلون غالبا في تذكُّر مدى طول العملية الديمقرطية في أوربا وفوضويتها وعنفها." كما يلاحظ فوكوياما أن "كل تلك الحجج المبسَّطة بأن العرب حالة شاذة، وأنهم سلبيون ويقبلون بالديكتاتورية، سقطت مع أحداث المنطقة بداية عام 2011."

 وما ذهب إليه فوكوياما من تشبيه الربيع العربي بثورات أوربا القرن التاسع عشر المتعثِّرة -بدل الموجات الديمقراطية السهلة- مذهب سديدٌ. فما تتسم به المجتمعات العربية من انشطارات في الهوية، وما تحمله على أكتافها من أعباء التاريخ، يجعل التحول السياسي الذي تشهده اليوم أشْبهَ بالثورات الأوربية القديمة، منها بالموجات الديمقراطية السهلة.

 لسنا ننكر شبَها من بعض الوجوه بين ثورات الربيع العربي وثورات أوروبا منتصف القرن التاسع عشر -على نحو ما ذهب إليه فوكوياما- فهي تشبهها في تزامن الثورات السياسية في أكثر من بلد، كما أنها تشبهها في مظاهر الانسداد والارتباك التي سبقتها وواكبتها.

لكنْ كان على فوكوياما أن يمدَّ بصره فيما قبل ثورات القرن التاسع عشر، ليرى الربيع العربي في صورة أوضح. ويقتضي ذلك الرجوع إلى بدايات الثورات السياسية الأوربية في القرن السابع عشر، ثم التعريج بعد ذلك على (عصر الثورة) الأوربي الذي تناوله أريك هوبزباوم في دراسته المعنونة بهذا العنوان، وهو الحقبة الفاصلة ما بين العامين 1789 و1848، ثم ثورات عام 1848. 

 فالبدء من القرن التاسع عشر يحْرم دارس الربيع العربي من عبرة كبرى الثورات المعاصرة، وهي الثورات الإنكليزية والأميركية والفرنسية، رغم وجود أوجه شبه بينها وبين ثورات الربيع العربي. فثورات الربيع العربي أشبه ما تكون بثورات القرن السابع عشر في انكلترا، والثامن عشر في أميركا وفرنسا، رغم أنها اندلعت في القرن الواحد والعشرين.

 ولسنا ننكر شبَها من بعض الوجوه بين ثورات الربيع العربي وثورات أوروبا منتصف القرن التاسع عشر -على نحو ما ذهب إليه فوكوياما- فهي تشبهها في تزامن الثورات السياسية في أكثر من بلد، كما أنها تشبهها في مظاهر الانسداد والارتباك التي سبقتها وواكبتها. لكن ثورات القرن التاسع عشر الأوربية ليست -في تقديرنا- أكثر من امتداد وارتداد لزلزال الثورة الفرنسية الذي هزَّ أوربا كلها عام 1789، ولا عجب أن وجد أدموند بورك -وهو لسان الثورة المضادة الأوربية آنذاك- أن الثورة الفرنسية هي "أمُّ كل الشرور."!!

 فالأفضل في استخلاص عبرة الثورات الأوربية للثورات العربية أن نرجع إلى الأصل بدل التشبث بالفرع، والتركيز على استخلاص عبرة الثورات الغربية الأولى (الإنكليزية والأميركية والفرنسية) للشعوب العربية اليوم، بعد أن أشهرت الأمة سيفها على حكامها، ولم يعد الحكام هم وحدهم من يُشْهرون سيوفهم على رقاب الأمة. وبقدر ما تستخلص الشعوب العربية عبرة تلك الثورات الكبرى ستجعل طريقَ ثورتها أخصر، وثمنَها أرخص.

 ولعل أهم ما يحتاجه الثوار العرب اليوم وهم يستخلصون دروس التاريخ من الثورات الإنكليزية والأميركية والفرنسية أمران:

 أولهما: إدراك الطبيعة المركبة للثورات، وأنها ليست هدم البناء العتيق فقط، وإنما هي تشييد صرح جديد على أساس متين من العدل والحرية. وهنا يحْسُن تأمل النصيحة التي سطَّرها الحكيم الإفريقي نيلسون مانديلا في مذكراته (رحلتي الطويلة من أجل الحرية) إذ كتب: "الثورة ليست مجرد ضغط على الزناد، ولكنها حركةٌ تهدف إلى إقامة مجتمع العدل والإنصاف."

 وثانيهما: التشبث بالأمل في المستقبل، ورفض الخضوع لقوى التخذيل والتثبيط. فمهما تنجح الثورة المضادة في تأجيل انتصار الثورات، أو في رفع ثمنها على الشعوب، فإن عبرة التاريخ تدل على أن الثورات الحقيقية النابعة من وجدان الناس قد تنحني وتتعثر، لكنها لا تتلاشى ولا تنكسر. فالربيع العربي من نوع الربيع المتجدد الذي تغنىَّ به شاعر تونس-مهدِ الثورات العربية- أبو القاسم الشابي، في قصيدة "الصباح الجديد" من ديوانه (أغاني الحياة):

إن سِحْر الحياهْ      خالــدٌ لا يــزولْ

فعلامَ الشـَّـــــكـاهْ    من ظـلام يحــولْ

ثم يأتي الصباحْ     وتمرُّ الفصـولْ

سوف يأتي ربيعْ     إن تقضَّى ربيعْ