أحمد الدقامسة بطل أم قاتل؟

الثلاثاء 14 مارس 2017 05:54 م بتوقيت القدس المحتلة

أحمد الدقامسة بطل أم قاتل؟

أماني سنوار / باحثة وحقوقية

خرج إذن الجندي الأردني السابق أحمد الدقامسة من السجن، بعد 20 عاماً من اطلاقه النار على مراهقات إسرائيليات كنّ في رحلة تنظمها مؤسسة صهيونية متطرفة إلى الحدود بين الأردن وفلسطين المحتلة. تفجّر مع خروج الدقامسة جدل عريض، بين من احتفى به بطلاً شجاعاً تنسّم هواء الحرية، وبين آخرين اعتبروه مجرد قاتل أزهق أرواح سبع قاصرات اسرائيليات لا حول لهنّ ولا قوة، لم يرتكبوا جُرماً سوى أنهن سخرن من صلاته.

والحقيقة أن من يختزل فعل الدقامسة بأن الطالبات الاسرائيليات "استهزأن بصلاته"؛ يفرّغ القضية من مضمونها. فكل عاقل يعرف بالضرورة بأن الجندي الأردني لم يكن ليُبدي مجرد تذمر أو سخط لو أنّ شخصاً آخر قد سخر من صلاته، فضلاً عن أن يقرر الزجّ برشاشه داخل المشهد؛ لكنّ خصوصية الشخوص والمكان والزمان معايير هامة في التقييم.

أما الشخوص، فلم يكلّفني الأمر أكثر من دقائق بحث قليلة، لأعلم أن الرحلة التي استهدفها الدقامسة قبل عشرين عاماً، كانت من تنظيم مؤسسة صهيونية متطرفة اسمها "متطوعون من أجل اليهودية والتوراة" وتُعرف اختصاراً باسم (AMIT)، تأسست عام 1925 وكان هدفها جلب المراهقين والأطفال من أوروبا وتوطينهم في فلسطين خلال فترة الانتداب البريطاني، وتربيتهم في معسكرات على مبادئ التوراة والولاء للصهيونية. استمرت المؤسسة بعد النكبة بتشجيع الهجرة إلى فلسطين وتقديم تعليم توراتي للأطفال والمراهقين، ثم تبنّتها الحكومة الاسرائيلية كأهم مدرسة دينية لها 110 أفرع حول العالم.

لم تصدمني مثل هذه المعلومات، لأنها كانت شيئاً متوقعاً بالضرورة، خاصة حين نسأل عن الركن الثاني من الحكاية، وهو المكان.. والمكان هو "منتزه السلام"؛ مشروع بيئي بنكهة صهيونية أيضاً، يعرّف نفسه بأنه محمية طبيعية تمتدّ على حدود عدّة بلدان (الأردن، فلسطين، "إسرائيل")، نشط بعد توقيع اتفاقيات السلام مع الأردن ومنظمة التحرير خدمة لأهداف وزارة الأمن الإسرائيلية، وتهدف المحميّة لإلغاء الحدود السياسية بين الدول، بغرض تعزيز فرص السلام والتعاون والتعامل الجيد بين الشعوب والدول المجاورة، كما تُعرّف عن نفسها.

أما الزمان، فهو العام 1997، أي بعد 3 سنوات فقط من توقيع اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، وفي ذروة الحديث عن التطبيع والتعايش بين العرب والاحتلال، وإطلاق العديد من المشاريع والمبادرات المشتركة التي تستهدف غسل أدمغة الشباب وإعادة تشكيل وعيهم وإدراكهم لـ "إسرائيل" كأمرٍ واقع لا بد من التعاطي معه.

وبعد إعادة رسم المشهد كما كان قبل عشرين عاماً، يبدو اليوم أنّ كل من يتقمّص دور الفضيلة العارية بتجريم فعل الدقامسة، أو تجريده من بُعده الأخلاقي وبُعده المقاوم، ما هو إلاّ منتوج حيّ لمحاولة التدجين الإسرائيلية التي تدور منذ ربع قرن تحت اسم "السلام"، والتي أرادت أن تزرع في أذهاننا جملة من الأكاذيب التي تتوهّم وجود فرق بين ثنائيات: "المواطن" الاسرائيلي مقابل المستوطن، أو "المدني" مقابل العسكري، أو فلسطين المحتلة عام 1948 مقابل أراضي العام 1967، أو القدس الغربية مقابل الشرقية.

أما الأزمة الأخلاقية التي يرتكبها البعض في معرض فنائهم على أعتاب ما يعتقدونه ورعاً أخلاقياً وترفّعاً عن ارتكاب أخطاء العدو، أنهم انسلخوا عن ذاكرتهم وكينونتهم إلى حدّ محاكمة "إسرائيل" وكأنّها دولة جارة نشب بيننا وبينها خلاف، ويستدعي الشرفُ منا عدم المساس بمدنييها. إنها تشبه لحظة الانبتات من الذات؛ والتيه عن الهوية؛ التي تُفقدنا القدرة على جعل فعل الاحتلال حاضراً في الأذهان، بما فيه كون كل فرد داخل المجتمع الاسرائيلي هو مستعمِر ومعتدي من حيث الوجود؛ لا من حيث الصفة أو الممارسة، إذ إن مجرّد تواجد الإسرائيلي على أرضنا هو فعل عدائي، وأنَّ مجرد احتمائه بدولة تمارس التمييز والقتل لضمان استيطان رعاياها؛ هو عسكَرة دموية بحدّ ذاتها وإن لم يحمل في ذراعه السلاح.

أما تقريع المعتدَى عليه في معرض دفعه للعدوان، فليس له وجاهة في القانون الإلهي (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ)، ولا في القانون الذي يتحاكم إليه البشر (حق الدفاع عن النفس غير مشروط)، كما أنّ الذهول عن تدمير الاحتلال الممنهج والمتعمّد للطفولة قتلاً واعتقالاً وحصاراً، والتركيز على حصانة أطفال المحتلّ ليس سوى ضربٍ من الورع الكاذب، تماماً كفعل الرجل الذي وجد تمرة على قارعة الطريق، فالتقطها منادياً في السوق: "من صاحب هذه التمرة؟"، فوبّخه عليها عمر، لأنه انحاز إلى ممارسة فاضلة؛ لكنها فارغة من المضمون وفي غير مكانها.

تقلق "إسرائيل" اليوم كثيراً من إحياء النقاش حول أحمد الدقامسة، أو الاحتفاء به كجزء من الهوية الوطنية العربية، لذلك أُريد لملفّه أن يُطوى سريعاً بالإفراج الخاطف وحجبه عن الجمهور والصحافة، والسبب لا يكمُن بالخشية من وقوع حوادث مشابهة لما فعله الدقامسة؛ بل رعباً من النموذج الذي قدّمه الرجل.

تخشى "إسرائيل" هذا النموذج لأنه ينقض فكرة السلام الإقليمي القائم على إلهاء الفلسطينيين بحكم ذاتي مسخ مقابل التطبيع مع العرب، النموذج الذي يذيب خطوط "سايكس-بيكو" التي لا يهزمها شيء أكثر من العداء العربي المشترك لإسرائيل.. تخشى "إسرائيل" وحدة الشعبين على ضفتي النهر التي لم يبرع أحد كأحمد ورفاق له في تأكيدها.. تتمنّى أن تَسقط مفردة البطولة من جانب اسمه، وأن يتحول فعله إلى عار نُواريه، وأن يتعرض الرجل لخذلان مركّب، الأول من وطن قضى عشرين عاماً في سجنه، وآخر من أبناء الوطن ذاته..