السنن الفاعلة في نهوض الحضارات وموتها.

الإثنين 13 مارس 2017 02:38 م بتوقيت القدس المحتلة

السنن الفاعلة في نهوض الحضارات وموتها.

إن عدل الله اقتضى أن من علم سنن الله في نهوض الأمم وسقوطها وعمل بمقتضى هذا العلم أن يوفق ويسدد ، وأن من ضيع هذه السنن و اهمل هذه القواعد أن يزول ويندثر ، ومن أهم السنن التي تساهم إسهاماً كبيراً في هذا الصدد ، ما يلي :
1-العدل في مقابلة الاستبداد : 
 فالحضارة إنما تبنى بالعدل ، لذلك حفلت آيات القرآن الكريم بالحث على العدل ، الذي هو الغاية الأساسية من إرسال الرُّسُل: (لقد أرسَلْنا رُسُلَنا بالبيِّنات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناسُ بالقسط) الحديد ، فقد أمَرَ اللهُ الناسَ به أمراً عاماً: (إن الله يأمر بالعدل) النحل ، (اعدلوا؛ هو أقرب للتقوى) المائدة ، وأثنى على فئة صالحة من الناس (يهدون بالحق وبه يعدلون)الأعراف ، وذكر في كتابه الكريم ما يدل على أنه ينبغي أن يتخلَّل كل شيء: في القول: (وإذا قلتم فاعدلوا) الأنعام ، في الحكم: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)النساء، في الإصلاح: (فأصلحوا بينهما بالعدل) الحجرات ، في القوامة: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط) النساء، وحذَّر مِنْ كل ما يمكن أن يُخِلَّ بالموقف العادل: (فلا تتَّبعوا الهوى أن تعدلوا)النساء، (ولا يجرمنَّكم (يحملنّكم) شَنَآنُ (بغض) قومٍ على أن لا تعدلوا)المائدة، (كونـوا قوَّامـين بالقسـط شهـداء لله ولـو على أنفسكـم)النساء: 
 أما الظلم فهو معول هدم الحضارات يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته ، تحت عنوان الظلم مؤذن بخرب العمران : "إعلم أن العدوان على الناس في أموالهم ذاهب بآمالهم في تحصيلها واكتسابها لما يرونه حينئذ من أن غايتها ومصيرها انتابها من أيديهم وإذا ذهبت آمالهم في اكتسابها وتحصيلها انقبضت أيديهم عن السعي في ذلك وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب فإذا كان الاعتداء كثيرا عاماً في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال جملة بدخوله من جميع ابوابها وان كان الاعتداء يسيراً كان الانقباض عن الكسب على نسبته والعمران و وفوره ونفاق أسواقه إنما هو بالأعمال وسعي الناس في المصالح والمكاسب ذاهبين وجائين فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب كسدت أسواق العمران وانتقضت الأحوال وابذعر الناس في الأفاق من غير تلك الايالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها فخف ساكن القطر وخلت دياره وخرجت امصاره واختلّ باختلاله حال الدولة والسلطان لما أنها صورة للعمران تفسد بفساد مادتها ضرورة " 
2-التوحد حول فكرة في مقابل الفرقة : 
 التاريخ يشهد أنه ما من حضارة سادت إلا وكان خلفها تجمع حول إيمان بفكرة : سماوية كانت أو أرضية ، هذه الفكرة أوقدت جذوة السعي الجاد لتحقيق ما تدعو إليه في أرض الواقع وتحمل مشاق هذا السعي صعوداً في درج الرقي والسيادة ، والتاريخ يشهد –كذلك - انه ما من حضارة بادت إلا بعد أن أعملت معاول الفرقة فيها عملها من غياب للشورى وطغيان للفرد واستخفاف بالشعوب و إذلال لها ، وخضوع وخنوغ من قبل الشعوب ورضىً بالواقع واستسلام له ، وبعدٍ عن أصل الفكرة التي ألهمت الجيل الأول الطاقة الروحية للبناء ، فتفرقت الكلمة ، وتعددت الزعامت ، واختلفت الدعوات فحقت عليها سنة الله .
3-المسؤولية في مقابلة الفوضى :
 إن بناء الحضارات يقتضي أن يعرف المجتمع دورة وينهض به على أكمل وجه ، عبر مؤسسات فاعلة تتنوع في تخصصاتها وتتقاطع في مجالاتها لكنها تتحد في أهدافها الكلية وغاياتها النهائية ، تماماً كاللوحة الجميلة تختلف ألوانها و وتتقاطع خطوطها لكنها تتكامل فيما بينها لتعطي الشكل النهائي المرجو .
 إن تحمل المسؤولية هو الذي يردم الهوة بين الواقع الموجود و المثال المنشود ، فالمثال المنشود يظل صورة نظرية في أذهان الناس حتى تجد المجتمع الذي يتحمل مسؤولية تطبيقها في أرض الواقع ، كما أن الفوضى (غياب المسؤولية) هو الذي يهوي بالمثال الموجود - الذي بذل في بنائه الأجداد العرق والدم – أسفل سافلين .
4-الإصلاح في مقابلة الفساد:
 بين القرآن زوال كثير من الأمم لأسباب تجمع الفساد في شتى مناحي الحياة : الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مثل : 
•اقتراف الفواحش وإتباع الشهوات كفعل قوم لوط .
•استعلان المنكر وعدم التناهي عنه كما فعل بنو إسرائيل { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه } .
 •الكفر بأنعم الله وعدم القيام بشكرها بل استخدامها في معاصي الله {فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } 
•الترف والبطر { وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها } .
كل واحدة من هذه الجرائم  كفيلة أن تعجل بعقاب الله وبأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين .فكيف اذا اجتمع عدد منها في أمة من الأمم أو مجتمع من المجتمعات ؟! ،والناظر في الحضارة التي تسود عالمنا اليوم يجدها قد أخذت بنصيب يكثر أو يقل من حضارات الهالكين ، وانحرافاتهم العقدية والفكرية والسلوكية فلا غرو أن يخشى عليها أن ينزل بأهلها ما نزل بهم { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وان كان مكرهم لتزول منه الجبال }.