فيسبوك.. الثقب الأزرق

الإثنين 13 مارس 2017 08:32 ص بتوقيت القدس المحتلة

فيسبوك.. الثقب الأزرق

محمد ولد سيدي /صحفي ومدون موريتاني

يَجمع العرب، في تفرد غريب، بين إحصائيتين متناقضتين في عالم الإنترنت، فالدراسات الحديثة تؤكد أن دولاً عربية تتصدر قائمة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بفارق كبير عن دول يتجاوز عدد سكانها عدد العرب مجتمعين بأضعاف مضاعفة، حيث تتصدر السعودية قائمة مستخدمي موقعي انستغرام وتويتر عالمياً، ويتجاوز الفلسطينيون على فيسبوك عدد الصينيين بفارق مريح!

في وقت تكشف فيه الإحصائيات تراجعاً حاداً في المحتوى الرقمي العربي على الإنترنت منذ عام 2014، مع استمرار عجز العرب مجتمعين، عن الوصول إلى نسبة 1% من المحتوى الرقمي على الشبكة العنكبوتية. وما يزيد هذا الأمر غرابة أن المنطقة العربية تعتبر من أكثر المناطق تطوراً في مجال الوصول إلى الإنترنت واعتماد أحدث التقنيات المبتكرة في مجال تغطية شبكة بيانات الجوال.

لقد اُطلقت مبادرات عربية كثيرة لتطوير المحتوى العربي، وتعزيز مكانة اللغة العربية على الإنترنت، لكن أغلبها لم يكن مبنياً على دراسة علمية، واقتصرت على "يوم تويتر العربي"، وأسبوع "الشات بالعربية"، و"هيا بنا نغرد!"

هذه الأرقام تدق ناقوس خطر بشأن الاستخدام غير المعرفي -إن جاز التعبير- لهذه المنصات والوسائل التي باتت تستحوذ على وقت وجهد المتصفح العربي، وتقلص من حجم المحتوى العلمي المتاح باللغة العربية على الإنترنت، كما تؤكد أن تعامل أغلب العرب، بما فيهم مفكرون وباحثون ومؤسسات إعلامية، مع وسائل التواصل ومنصات الإعلام الجديد، خاصة فيسبوك، يشوبه جهل بطبيعة هذه المنصات ودورها الحقيقي كوسائل توزيع للمحتوى لا نشره وأرشفته.

فبينما يتباهى كتابنا وباحثونا بعدد متابعيهم على تويتر وفيسبوك، يغفل هؤلاء عن حقيقة أن هذه المنصات تمنع وصول محركات البحث العادية إلى هذا المحتوى، الذي أجهدوا أنفسهم بكتابته وتنميقه على صفحاتهم الزرقاء، ولا يدركون أن هذه الصفحات والحسابات معرضة لمخاطر جمة، من أبسطها إغلاق الصفحة أو قرصنتها، مما يصعب استعادة ما نشره صاحبها خلال سنوات، ناهيك عن صعوبة الوصول إلى مقالات وتعليقات قيمة، في حال البحث عنها على فيسبوك بعد مدة من نشرها.

ويسري الأمر على القنوات والمؤسسات الإعلامية العربية، التي فطنت متأخرة لأهمية الوصول إلى المتابعين عبر مواقع التواصل، وبدأت في إنتاج محتوى خاص بهذه المنصات، لكنها غفلت عن أن أرشفة هذا المحتوى (مقروءاً أو مرئياً) في مواقع ومدونات خاصة، أمر لا يقل أهمية عن حشد أكبر عدد ممكن من "اللايكات" في أقصر مدة زمنية، ومن الطريف أن بعض هذه القنوات لا تنشر هذا المحتوى المتميز على مواقعها الإلكترونية الخاصة وتكتفي بتحميله على فيسبوك وتويتر.

ورغم أن موقع فيسبوك يقول للمشترك نصاً: "أنت تمنحنا ترخيصًا دوليًّا، غير حصري وغير خاضعٍ لأية رسوم، لاستخدام أي محتوى خاضع لحقوق الملكية الفكرية تنشره على فيسبوك أو له صلة به"، إلا أن قلة قليلة يقرأون شروط استخدام الموقع، غير مدركين أن هذه العبارة تعنى أن فيسبوك ليس إلا "ثقباً أزرق" يلتهم المحتوى الذي يكتبه أكثر من مليار مشترك، ويعيد استخدامه لمصالح "مارك زوكيربيرغ" ورفاقه.

إننا بحاجة اليوم إلى أن تتبنى مؤسساتنا البحثية والحكومية مبادرات مشتركة بين الدول العربية للفت الانتباه إلى أهمية التركيز على المحتوى الرقمي الحقيقي، وتبيان المخاطر التي يمثلها الاعتماد الكلي على منصات التواصل كمواقع للنشر الإلكتروني.

لقد اُطلقت مبادرات عربية كثيرة لتطوير المحتوى العربي، وتعزيز مكانة اللغة العربية على الإنترنت، لكن أغلبها لم يكن مبنياً على دراسة علمية، واقتصرت على "يوم تويتر العربي"، وأسبوع "الشات بالعربية"، و"هيا بنا نغرد!"، ولم يكن لها أثر يذكر في تطوير المحتوى الرقمي، بل زادت من خطورة ضياع ما ينشر على قلته، بجذبها للمتصفحين إلى مواقع التواصل الاجتماعي.

إننا بحاجة اليوم إلى أن تتبنى مؤسساتنا البحثية والحكومية مبادرات مشتركة بين الدول العربية للفت الانتباه إلى أهمية التركيز على المحتوى الرقمي الحقيقي، وتبيان المخاطر التي يمثلها الاعتماد الكلي على منصات التواصل كمواقع للنشر الإلكتروني. نحن بحاجة إلى مبادرات من قبيل إعادة نشر أبرز الرسائل والأطروحات الجامعية المتميزة للاستفادة منها، وتحويل كتب التراث والمخطوطات النادرة إلى نصوص رقمية متاحة للباحثين باللغة العربية، واعتماد محتوى إعلامي أصيل، ينقل حقيقة ما يجري في منطقتنا بعمق وتفصيل، ويبتعد عن موضة المواقع الإلكتروني الجديدة التي تعتمد على ترجمة ما تنشره مواقع الغرب من أخبار، علمها لا ينفع وجهلها لا يضر.