ثقافة التّيس الغريب!

الأحد 19 فبراير 2017 08:45 م بتوقيت القدس المحتلة

يقول المثل العامي: "عنز الشعيب ما يحب إلا التّيس الغريب!" والأمثال عاميها وفصيحها بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولو تأملنا في المثل لوجدناه أعمق مما يبدو عليه، فالقصة أكبر من مجرد أزمة عاطفية لعنز سببها تيس وسيم جاء من بعيد، إنه يتحدث عن عقدة النقص التي يشعر بها البعض تجاه الغرباء أو الغربيين، لا فرق! معرفة تاريخ الآخرين وعلومهم ونظرياتهم وأدبهم ثقافة، أما تقليدهم الأعمى فهو تبعية.

 تتحدث سوزان برنار في باريس عن قصيدة النثر فيخلع شعراؤنا عباءة المتنبي ويلبسون فستان سوزان ويقررون أن يجعلوا للنثر قصيدة! مع أنك لو تأملت التسمية "قصيدة النثر" لوجدتها تجمع المتناقضات التي يستحيل أن تجتمع، كأنك تقول بيضة الديك، ولكن كرمى لعيون الغرب لا بأس أن نجعل الديك يبيض!

نظرية تشومسكي اللغوية في أغلب أجزائها هي إعادة صياغة لنظرية السياق لعبد القاهر الجرجاني، ولكنهم في الجامعة درسونا تشومسكي وأزاحوا الجرجاني! وما قاله إميل دوركايم في علم الاجتماع في معظمه اجترار لما قاله ابن خلدون قبله بمئات السنوات، ولكن إميل أشقر وعيونه زرق ويلبس ربطة عنق وابن خلدون أسمر يلبس عباءة وعمامة، فكيف تحدثنا الجامعات عن ابن المغرب العربيّ وتترك ابن باريس! إذا كان المغلوب مولع بتقليد الغالب كما قال الأسمر الذي يلبس عباءة وعمامة، فإن المغلوبين على أمرهم، المستسلمين بملء إرادتهم، قد انتقلوا من حالة التقليد إلى حالة التقديس.

 لا بأس أن يعرف أولادنا عن نابليون ولوثر ولويس وأغاثا وجيفارا، ولكن البأس أن يعرفوهم أكثر مما يعرفون خالد وخديجة وفاطمة وعثمان. البأس أن نترك كل ما لدينا ونلهث وراء كل ما لديهم، البأس في عقدة النقص هذه.

لا أحد في نيويورك يحتفل برأس السنة الهجرية ولكننا نزين الأشجار ونعلق عليها الأجراس ونستأجر بابا نويل مزيف ليعطي أولادنا الهدايا في يوم الميلاد ورأس السنة. لا أحد في لندن يحتفل بعيد الفطر ولكننا نحتفل بالهالوين ونشتري فيه من اليقطين أكثر مما نشتري من التمر في رمضان. طلاب المدارس في ستوكهولم لا يعرفون شيئًا عن غزوة بدر ولكن على طلابنا أن يعرفوا تفاصيل إنزال النورماندي! طلاب الجامعات في سيدني لا يعرفون شيئًا عن عمر بن الخطاب ولكن على طلاب جامعاتنا أن يعرفوا كل شيء عن نابليون وهتلر!

 لا أحد في مطاعم طوكيو يقول للنادل "شكرًا" ولكن لتبدو مثقفًا عليك أن تقول لبائع الفلافل على الطريق "ميرسي". حتى العشق لا نعرف من أبطاله إلا روميو وجولييت مع أنهم شخصيتان لا وجود لهما إلا على صفحات الرواية، وننسى قيس وليلى وكثير وعزة وعنترة وعبلة مع أنهم شخصيات عاشت على صفحات الحياة!

 الأسوأ من هذا أننا نقدم شخصيات الآخرين لأبنائنا على أنهم قدوات، مارغريت تاتشر امرأة حديدية فماذا عن خديجة بنت خويلد! الإسكندر فاتح عظيم فماذا عن عمر هادم إمبراطوريتي الروم والفرس في عامين!

 الخنساء أهم من أغاثا كريستي.

وخالد بن الوليد أهم من نابليون.

عثمان بن عفان أهم من بيل غيتس.

الشافعي أهم من مارتن لوثر.

وعبد الرحمن الداخل أهم من لويس السادس عشر.

وعمر بن عبد العزيز أهم من ريكاردوس قلب الأسد.

قصة أصحاب الأخدود أجمل من قصة ليلى والذئب.

وقصة ماشطة ابنة فرعون أجمل من قصة رابونزيل.

وقصة موسى مع فرعون أجمل من قصة روبن هود.

وقصة الثلاثة أصحاب الغار أجمل من قصة بياض الثلج.

وقصة الإسراء والمعراج أجمل من ملحمة الإلياذة.

ولكن رغم هذا لا بأس أن يعرف أولادنا عن نابليون ولوثر وريكاردوس ولويس وأغاثا وجيفارا، ولكن البأس أن يعرفوهم أكثر مما يعرفون خالد وخديجة وفاطمة وعمر وعثمان. لا بأس أن نعرف فرويد وتشومسكي ودوركايم وشكسبير وسوزان ولكن البأس أن نترك كل ما لدينا ونلهث وراء كل ما لديهم، البأس في عقدة النقص هذه، وفي إحساس عنزة الشعيب تجاه التيس الغريب.