دوافع وكوابح صفقة التبادل بين حماس وإسرائيل

الأربعاء 11 يناير 2017 12:39 م بتوقيت القدس المحتلة

ما زالت قضية الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى حركة حماس في غزة تتفاعل داخل إسرائيل، وتتباين التقديرات بشأن إبرام الطرفين صفقة تبادل أو تأجيلها بعد بث كتائب القسام شريط الفيديو الأخير، وبدء تنفيذ عقوبات إسرائيلية ضد الأسرى الفلسطينيين.

السطور التالية تحاول الدخول إلى آليات اتخاذ القرار الإسرائيلي في الذهاب لمفاوضات تبادل، وكيف يفكر الإسرائيليون حكومة ونخبة؟ وما هو موقف أهالي الجنود الأسرى؟ وكيف يضغط المجتمع المدني على الحكومة الإسرائيلية في هذا الشأن؟

إخضاع إسرائيل

قبل أيام قليلة؛ عقدت الحكومة الإسرائيلية أول اجتماع "علني" لها لبحث هذه القضية منذ وقوع الجنود الإسرائيليين في أسر حماس خلال الحرب الأخيرة على غزة صيف 2014، وتزامن ذلك مع مستجدين طارئين، تمثل أولهما في زيادة مطالبات عائلاتهم بإعادتهم، واتهامهم للحكومة بالتقاعس في هذا الملف، وثانيهما هو إصدار كتائب القسام شريط فيديو حول الأسرى الإسرائيليين لديها، قبل ساعات فقط من انعقاد الاجتماع الإسرائيلي.

    "لا تعتبر ظاهرة تبادل الأسرى بين الفلسطينيين وإسرائيل ظاهرة جديدة، فقد جرت منذ اندلاع الصراع 1948، وكانت آخر صفقة للتبادل عام 2011، وأطلقت فيها إسرائيل سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني من أصحاب الأحكام العالية، مقابل إطلاق حماس للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الأسير لديها منذ 2006"

لا تعتبر ظاهرة تبادل الأسرى بين الفلسطينيين وإسرائيل ظاهرة جديدة، فقد جرت منذ اندلاع الصراع 1948، وكانت آخر صفقة للتبادل عام 2011، وأطلقت فيها إسرائيل سراح أكثر من ألف أسير فلسطيني من أصحاب الأحكام العالية، مقابل إطلاق حماس للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الأسير لديها منذ 2006.

وتشير معظم القراءات الإسرائيلية إلى أن صفقات التبادل رغم أنها تغلق ملفات معاناة عائلات الجنود الأسرى بعد أعوام من الانتظار المؤلم، فإنها -من جهة أخرى- تكشف حجم الثمن الباهظ الذي دفعته إسرائيل، مما قد يعرض أهدافها الإستراتيجية للخطر، لأن النتيجة الطبيعية من تكرار هذه الصفقات مع المنظمات المسلحة، هو تقوية مواقعها في الداخل والخارج، وتنامي شعبيتها وجماهيريتها.

وفي الوقت ذاته، ستبدو إسرائيل كمن تقلل من أهمية جنودها الموجودين في الأسر، حين تمتنع عن القيام باسترجاعهم وهو حق طبيعي لهم، وحين توقع إسرائيل صفقة تبادل فإن من الطبيعي أن أعداءها -الذي يخطفون جنودها ومواطنيها- سيكونون في موقع الرابح الأكبر.

وبالتالي؛ فأن تضحي إسرائيل بالكثير من أجل استعادة جنودها ومواطنيها فهذه قيمة إنسانية كبيرة، لكنها قد تترجم سياسياً على أنها خضوع لمطالب المسلحين الذين قد يرفعون الثمن المطلوب لتبادل الأسرى.

الدعوات المؤيدة

ظهرت تصريحات لمسؤولين إسرائيليين كبار يطالبون بإبرام صفقات تبادل للأسرى، ومن أهمها:أ- وزير الدفاع السابق شاؤول موفاز الذي يقول "إن الرسالة الأخلاقية في تقديري أكبر من أي اعتبار آخر بما فيه اعتبار الثمن، فالأكثر فداحة أن تتنازل الدولة عن أحد أبنائها! لأنهم في هذه الحالة قد يتنازلون هم عنها!".

ب- رئيس هيئة الأركان السابق غابي اشكنازي، وقد كان له موقف متقدم لإبرام صفقة التبادل السابقة، لأنه من موقعه الرسمي يعتبر رئيساً لشاليط، فهو رئيس أركان جميع الجنود (الأحياء والأموات)، ولذلك طلب من الوزراء الإسرائيليين أن يقروا الصفقة، فمن المهم له أن ينظر في عيون جنوده وذويهم، ويقول لهم: عملنا كل شيء لعودتهم للديار.

ج- رئيس الحكومة الأسبق إيهود باراك وهو أكثر العسكريين نيلا للأوسمة في الجيش الإسرائيلي: يقول إنه منذ 22 سنة وهو يشترك في مداولات لإطلاق سراح أسرى وعقد صفقات تبادل، والآن من المحظور وقفها لأنها ألقت على دوائر صنع القرار الإسرائيلي التزاماً مهنياً وأخلاقياً لإعادة المقاتلين من الأسر، أحياء أو أمواتاً.

وما زالت مقولة غولدا مائير (رئيسة الحكومة الإسرائيلية في سبعينيات القرن الماضي) في مذكراتها أبلغ ما قيل في الأوساط الإسرائيلية عن مأساة الأسر، تقول: "كانت قضية الأسرى والمفقودين أعقد مشكلة واجهتني في حياتي بعد حرب 1973، فقد كنت أسير بسيارتي وسط شوارع تل أبيب، وأنظر من خلالها لنوافذ البيوت وأتساءل في نفسي: أي هذه البيوت أبناؤها مفقودون؟ كنت لا أجرؤ على النظر في وجوه أُسَرهم، أقسم أنني كنت مستعدة لأن أفعل أي شيء لاستعادتهم".

    "يمكن لقوى المقاومة اللعب على ورقة الرأي العام الإسرائيلي، وتجب مراعاة النوعية المرشحة للأسر؛ فالمتزوج غير الأعزب، ومن له أبناء ليس كغيره، ومن والداه حييان ليس مثل سواه، والشرقي غير الغربي"

هنا يمكن لقوى المقاومة اللعب على ورقة الرأي العام الإسرائيلي، وتجب مراعاة النوعية المرشحة للأسر؛ فالمتزوج غير الأعزب، ومن له أبناء ليس كغيره، ومن والداه حييان ليس مثل سواه، والشرقي غير الغربي.

ورغم التحولات التي طرأت على سبل معالجة إسرائيل لقضية جنودها الأسرى لدى المقاومة، فيمكن القول إن هناك محددات حاولت إرساءها بشأن ملف الأسرى الفلسطينيين، وإن اضطرت للتراجع عنها -في كثير من الأحيان- تحت وطأة العمل الفلسطيني المقاوم، الهادف لقلب المعادلة التي سعت إسرائيل لترسيخها بهذا الملف.

وإذا كان هناك مجال ثبت فيه خضوع إسرائيل لخيار القوة والمقاومة فهو قضية جنودها الأسرى، فبقدر ما عبّر قادة إسرائيل عن تشبثهم بمواقفهم المتطرفة والمتشددة بشأنها، تبيّن أن النخب الحاكمة تبدي تنازلات كبيرة فيها، وربما بشكل يتنافى تماماً مع أدبيات الخطاب الإسرائيلي الرسمي.

ودلت التجربة التاريخية على أن هناك بوناً شاسعاً بين الموقف النظري للحكومات الإسرائيلية من قضية الأسرى والسلوك على الأرض، ومرد هذا الاختلاف هو لجوء المقاومة الفلسطينية إلى خيار أسر الجنود لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال.

دور الرأي العام

يمكن سرد عدد من العوامل المؤثرة في القرار الإسرائيلي بشأن صفقات تبادل الأسرى، ومنها الرأي العام أو ما يعرف بـ"المجتمع المدني" في إسرائيل، خاصة في الحراك الذي قد يبدأ في قادم الأيام لإطلاق سراح الجنود الإسرائيليين الأسرى في غزة:

أولاً: البعد الإستراتيجي: حرصت النخب الحاكمة في إسرائيل على التأكيد أنها ستعمل كل ما يلزم لتفادي بقاء جنودها في الأسر، ولا يعتبر هذا الإعلان دعائياً، بل يعكس إدراكاً للأهمية الإستراتيجية لإعادة الجنود الأسرى.

فإدراك الجنود الإسرائيليين -الذين ينطلقون في مهام تنفيذ العمليات العسكرية- أن هناك دولة ستعمل على إعادتهم تحت أي ظرف، سيعزز الدافعية لديهم للانتساب إلى الوحدات المقاتلة والنوعية، ومن الأسئلة التي بات الجنود يطرحونها بكثرة على قادتهم: في حال وقعنا في الأسر.. إلى أي حد يمكن أن تذهب الدولة في حرصها على إعادتنا؟

ثانياً: دور الرأي العام: تعتبر اتجاهات الرأي العام من المعايير الهامة التي تؤخذ بعين الاعتبار بالنسبة لصناع القرار في إسرائيل، ليس فقط بسبب طابع النظام السياسي الذي يعطي وزناً لرأي الجمهور، بل لأن هناك أبعاداً هامة للرأي العام، على اعتبار أن العائلات تعي أن الحكومة ستعمل على إعادة أبنائها إذا ما وقعوا في الأسر.

علاوة على أن طمأنة الرأي العام إزاء هذه المخاوف يشكل عنصراً أساسياً في سعي إسرائيل لمواصلة تكريس الانطباع بأن الجيش الإسرائيلي هو "جيش الشعب"، وضمن تأثير الرأي العام يكمن دور وسائل الإعلام الإسرائيلية التي لعبت دوراً هاماً في تحديد اتجاهات صناع القرار من قضايا الأسر وصفقات تبادل الأسرى.

ثالثاً: السوابق التاريخية: فقد باتت تلعب دوراً هاماً في موقف النخب الحاكمة بشأن صفقات تبادل الأسرى، سواء على صعيد تشجيع التوصل لهذه الصفقات، أو اتخاذ موقف سلبي منها.

ولعل السابقة الوحيدة التي تحظى دائماً بالذكر -كمسوغ للتحمس للتوصل إلى صفقات لتبادل الأسرى- هي التخوف من موت الطيار رون أراد، الذي أسِر في الأراضي اللبنانية منتصف الثمانينيات، لا سيما أنه كانت هناك إمكانية أكيدة لتحريره من الأسر لو استجابت إسرائيل للمطالب التي وضعتها حركة "أمل" اللبنانية في حينه، وقد شكلت حالة "أراد" مسوغاً للدعوات لدفع أي ثمن من أجل إطلاق سراح الأسرى مقابل العمل على تحرير جنود مختطفين في السجن.

رابعاً: موقف الأجهزة الأمنية: حيث يعتبر موقف قادتها حاسماً جداً، ويشكل دورهم محوريا تبعاً لطبيعة النخبة السياسية الحاكمة، ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن قادة الأجهزة الأمنية لا يعرضون موقفاً موحداً من قضايا الأسرى وصفقات التبادل، ويتفاوت تأثيرهم تبعاً لطابع الفترة التي يتم فيها حسم الموقف من الصفقة.

    "من المؤكد أن الموقف من صفقة تبادل الأسرى مع الفصائل الفلسطينية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، يتأثر أكثر بموقف رئيس جهاز الأمن الداخلي "الشاباك"، على اعتبار أن الأسرى الذين سيطلق سراحهم سيعودون للأراضي الفلسطينية وهي منطقة نفوذ "الشاباك"، لأنه مسؤول عن مواجهة حركات المقاومة داخلها على وجه الخصوص"

لكن من المؤكد أن الموقف من صفقة تبادل الأسرى مع الفصائل الفلسطينية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، يتأثر أكثر بموقف رئيس جهاز الأمن الداخلي "الشاباك"، على اعتبار أن الأسرى الذين سيطلق سراحهم سيعودون للأراضي الفلسطينية وهي منطقة نفوذ "الشاباك"، لأنه مسؤول عن مواجهة حركات المقاومة داخلها على وجه الخصوص، ومن هنا فإن موقفه يكتسب أهمية قصوى.

وهناك موقف تقليدي يدل على أن رؤساء الشاباك يميلون عادة إلى رفض صفقات تبادل الأسرى، ويسوغون ذلك بالقول إن خطورة هذه الصفقات تكمن في الصورة المتبلورة في وعي الفلسطينيين عن إسرائيل، حيث ينظرون لهذه الصفقات على أنها استسلام إسرائيلي.

هذا علاوة على أنها تمثل مصدراً لتعاظم الفعل المقاوم، حيث يقول رؤساء "الشاباك" إن 48% من الأسرى الذين أطلق سراحهم في صفقة تبادل الأسرى عام 1985 وعادوا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة؛ اعتقلوا بتهم الارتباط بالعمل المقاوم من جديد، وهو ما تكرر في الأسرى الذين أطلِق سراحهم في صفقة التبادل الأخيرة عام 2011، وأعادت إسرائيل اعتقالهم تباعا، لا سيما أولئك المقيمين منهم في الضفة الغربية.

وهذا بالضبط ما جعل رئيس الشاباك السابق يوفال ديسكين يبدي معارضة شديدة جداً للموافقة على قائمة المطالب التي وضعتها حركة حماس في صفقة تبادل الأسرى السابقة.

خامساً: قوة أو ضعف الرؤساء: فمن اللافت للنظر أن أهم ثلاث صفقات لتبادل الأسرى هي: صفقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/القيادة العامة عام 1985 في عهد رئيس الوزراء الراحل مناحيم بيغن، وصفقة حزب الله عام 2004 في عهد رئيس الحكومة الأسبق أرييل شارون، وصفقة التبادل مع حماس عام 2011 في عهد رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو. مع العلم بأن سلفه إيهود أولمرت لم يوافق على إبرام الصفقة، ولم يقو على اتخاذ القرار بشأنها.

أخيراً..؛ حين توقع إسرائيل صفقة تبادل فمن الطبيعي أن أعداءها -الذين يخطفون جنودها ومواطنيها- سيكونون الرابح الأكبر، وصفقات من هذا القبيل قد تظهر إسرائيل كما لو كانت مستعدة للقبول بالتنازل عن حقوقها، والخضوع لكل المطالب التي تعلنها تلك المنظمات، كما ستقوي تلك الصفقات مواقع تلك المنظمات في المجال السياسي داخل العالم العربي والإسلامي، وتزيد شعبيتها وجماهيريتها.

هذا فضلا عن أن مثل هذه الصفقات قد تمس بقوة إسرائيل الردعية، وتعمل على تشجيع تلك المنظمات على القيام بعمليات أسر أخرى، فتخاطر بحياة جنودها الذين يمكن أن يقعوا في الأسر.