كفى تحريضًا ضد التدين!

السبت 07 يناير 2017 09:08 ص بتوقيت القدس المحتلة

هذا الفيلم شاهدناه مرارا وتكرارا، ومللنا من مشاهدته، ولكنهم لم يملوا من عرضه. في كل عملية إرهابية يتكرر ذات السيناريو. يدَّعي أحدهم أن منفذ العملية ذو لحية، وأنه هتف قائلا "الله أكبر" وهو يطلق النار، بل ربما يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول إنه كان يتحدث بالعربية. قد يكون كل ما ذكره صحيحا وقد يكون من نسج الخيال، وهو الأغلب. ثم تبدأ حملة شرسة ضد التدين والمسلمين المتدينين، بل وضد الإسلام نفسه.

 لما انتشر خبر تعرض الملهى الليلي الشهير "رينا" بإسطنبول لهجوم إرهابي، لم يتأخر عرض الفيلم الذي تعودنا على مشاهدته، بل بدأ تداول المعلومات الكاذبة منذ اللحظة الأولى، وقالوا إن منفذ العملية تحدث بالعربية، ونشروا صورا لشاب ذي لحية زعموا أنها تعود للمشتبه به، وذكروا روايات أخرى تم نفي معظمها من قبل السلطات التركية.

يصرخون بأن هذه العملية استهدفت نمط حياتهم، وينسون أو يتناسون أن تنظيم داعش الإرهابي استهدف المساجد قبل ذلك وقتل الدعاة والعلماء.

لم ينتظروا نتائج التحقيقات ولا حتى المعلومات الأولية المؤكدة حول هوية المشتبه به ودوافع العملية، بل شرعوا في التعليق وتوظيف العملية، وكأن لديهم علم اليقين. وقالوا إن العملية الإرهابية استهدفت رواد ملهى ليلي يحتفلون برأس السنة الميلادية، ما يعني بالضرورة -وفقا لطريقة تفكيرهم- أن منفذها "إسلامي" ناقم على العلمانيين ينتمي إلى تنظيم داعش الإرهابي.

وبعد هذه التعليقات، انتقلوا إلى توزيع التهم. اتهموا الحكومة أولا وقالوا إن توجه الحكومة نحو أسلمة المجتمع هو أكبر عامل أدَّى إلى إطلاق النار على رواد الملهى الليلي خلال احتفالهم برأس السنة الميلادية. ثم اتهموا رئاسة الشؤون الدينية التركية والجماعات الإسلامية التي حذرت المسلمين من الاحتفال بالأعياد اليهودية والمسيحية والتشبه بغير المسلمين، وقالوا إن تلك التحذيرات دفعت منفذ العملية إلى القيام بتلك الجريمة النكراء.

إن كان منفذ العملية ينتمي إلى تنظيم داعش الإرهابي، فكيف يمكن أن يتأثر من تحذيرات جهات رسمية وجماعات إسلامية يكفِّرها هذا التنظيم؟ وأسئلة أخرى تطرح نفسها أمام تعليقات هؤلاء، إلا أنهم غير معنيين بالإجابة والبحث عن الحقيقة. ما يعنيهم هو استغلال العملية الإرهابية وتوظيفها لأغراض سياسية وأيديولوجية.

يصرخون بأن هذه العملية استهدفت نمط حياتهم، وينسون أو يتناسون أن تنظيم داعش الإرهابي استهدف المساجد قبل ذلك وقتل الدعاة والعلماء ورجال الأمن المسلمين وقادة الفصائل الإسلامية، وأن عناصر هذا التنظيم يتحركون حسب أوامر "أمرائهم" وفتاوى "مشايخهم"، ولا يستمعون إلى خطب رئاسة الشؤون الدينية التي تحذر من العنف والانحراف الفكري والوقوع في الغلو.

حاليا في تركيا، من يريد أن يدعو للاحتفال برأس السنة الميلادية ويحتفل به في ملهى أو مطعم أو أي مكان آخر فله ذلك، ومن يحذر من الاحتفال برأس السنة الميلادية ويعتبره تشبها بالكفار ويجلس في تلك الليلة في بيته فله ذلك. ولا أحد يتدخل في نمط حياة الآخرين.

المضحك المبكي أن هناك من هو ضد تدين المسلمين من أبناء بلادهم، وإلا لا إشكال لديهم في تدين اليهود والمسيحيين ولا في إظهار تدينهم بأي طريقة.

المشكلة أن هؤلاء الذين يتهمون رئاسة الشؤون الدينية والجماعات الإسلامية بالتحريض ضد المحتفلين برأس السنة الميلادية يعتبرون ذكر الآيات والأحاديث التي تحذر من شرب الخمر -على سبيل المثال- تحريضا واعتداء على نمط حياتهم، ولا يرونه حتى ضمن حرية التعبير. بالإضافة إلى ذلك، أنهم هم أنفسهم فاشيون بامتياز، ولا يحترمون على الإطلاق نمط حياة المسلمين المتدينين، بل يميلون لممارسة العنف ضد غيرهم، ولا يريدون الديمقراطية والتعددية والتعايش مع الآخرين، ولا يرضيهم غير تطبيق الدكتاتورية العلمانية المتوحشة في البلاد.

وفي آخر مثال يفضح عقليتهم، أنهم هاجموا قبل أيام عالما مسلما تمت دعوته إلى إحدى الجامعات التركية لإلقاء محاضرة حول خطورة الغلو في الدين والتحذير من تنظيمات تمارس العنف والإرهاب باسم الإسلام كتنظيم داعش، لمجرد أن ذاك العالم كان يلبس عمامة.

المضحك المبكي أن هؤلاء ضد تدين المسلمين من أبناء بلادهم، وإلا لا إشكال لديهم في تدين اليهود والمسيحيين ولا في إظهار تدينهم بأي طريقة. ويكرهون اللحية إن كان صاحبها مسلما ويعتبرونه رجعيا متخلفا. وأما إن كان غير مسلم فلا يرون بأسا في إعفاء لحيته ولا ارتداء ما يريده.

كل هذه الضجة التي تحدثها أقلية متطرفة تهدف إلى إثارة الفتنة والانقسام في المجتمع. يأملون بأن يقضوا وسط حالة الفوضى على الديمقراطية والتعايش السلمي، وأن يعيدوا البلاد إلى الوراء. وإلا ففي الحقيقة لم يتغير شيء في نمط حياتهم؛ يأكلون ويشربون ويلبسون كما يحلو لهم وكما كانوا يفعلون. ولعل الشيء الوحيد الذي تغير في حياتهم هو رؤية المسلمين المتدينين يتمتعون مثلهم بحرية المشاركة في مختلف أنشطة الحياة اليومية وصنع القرار. وهذا الذي يغيظهم.