عياش لن يعود..!

الخميس 05 يناير 2017 12:47 م بتوقيت القدس المحتلة

عياش لن يعود..!

ثمة حنين خاص في نفوس كل من عايش زمن يحيى عياش إلى ذلك البطل المتخفي الذي مثل رمزاً للبطولة وتشكلت في مخيلة الشعب له صورة البطل المعجزة الذي استطاع بمفرده إيلام دولة الاحتلال وتحايل على العجز وقلة الإمكانات فوظف أبسط الوسائل المتاحة في حرمان هذه الدولة المتخمة بالسلاح والعتاد من الاستقرار الأمني.

لم يكن عياش صنيعة نفسه إنما كان تعبيراً عن مرحلة سياسية كانت الثورة فيها في إدبار والتسوية في إقبال وكانت بقية من روح انتفاضة الحجارة متقدةً في النفوس وكان الناس مشفقين من ضياع إرث الانتفاضة على أبواب مشروع السلطة والتفات الناس إلى الامتيازات والوظائف والمشاريع الاقتصادية فوجدوا في يحيى عياش ملاذهم إذ كان عياش هو المذكر لهم بأنه لا تزال هناك مساحة ممكنة للفعل النضالي ولا يزال بالإمكان الإفلات من مساعي التدجين والتكيف المميت مع الواقع الجديد الدخيل على تاريخ النضال والثورة

كانت عمليات يحيى عياش تلامس أعمق ما في الضمير الفلسطيني، كانت تستثير حرارة التحدي ولذة المواجهة في زمن الحديث البارد عن المفاوضات والسلام، لذلك كان وقع خبر اغتيال المهندس ثقيلاً على النفوس وخرجت غزة عن بكرة أبيها بحماسها وفتحها وما بينهما في السادس من يناير 1996 في جنازة تاريخية قل نظيرها تشيع البطل الأسطورة.

ما يحدث عادةً هو أننا ندرس الحدث مجرداً عن الملابسات التي صنعته ومن السياقات التي جاء فيها لذلك نتوقع أو نحلم أن بالإمكان عودته بذات الطريقة.

عياش لم يكن حدثاً فردياً وحسب إنما جاء في سياق سياسي، هذا السياق تغير اليوم، غزة تحولت بأكملها إلى معسكر تدريب ولم يعد هناك حاجة إلى بطل أسطورة متخف، ولم تعد المقاومة بتلك الصورة الناصعة البسيطة التي كان يمثلها عقل وعياش، المقاومة أيضاً تورطت في حسابات السياسة وتعقيدات الواقع، التفاوض مع العدو لم يعد بالضبط خيانةً، الضفة مكبلة بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية تمثل عوامل إجهاض للثورة، وهو ما كشفته الوتيرة المتواضعة لأحداث هبة القدس، لم يعد البطل الذي يحمل حزاماً ناسفاً ويفجر نفسه بذات الصورة الجذابة التي كان عليها زمن عياش، صار الأبطال المشتاقون للحور العين يفجرون أنفسهم أيضاً في استانبول، لم تعد فلسطين قضية العرب والمسلمين الوحيدة في ظل انشغالاتهم الداخلية.

لكل مرحلة فعلها الإبداعي الخاص بها، جميل أن تشتاق النفوس وتحن إلى زمن عياش، لكن البطولة ليست في استحضار قصص أبطال الزمن الجميل وحسب، بل إن الواجب الثقيل اليوم هو في تفكيك معطيات الواقع الراهن وتوليد فعل إبداعي مكافئ يمثل في هذه اللحظة أفضل خدمة لقضيتنا الوطنية وأفضل مزعج للعدو.

عياش يمثل رمزية العمل النضالي، لكن الواقع أكبر من الرمزية، فالبطل يمكن أن يكون أيضاً في ساحة الفعل السياسي أو في ساحة النضال السلمي، يمكن أن يرتدي البطل هنداماً أنيقاً ويخطب في الأمم المتحدة، ويمكن أن يكون البطل ناشطاً في حملة المقاطعة في أوروبا أو كندا، يمكن أن يكون البطل إعلامياً أو حقوقياً متفانياً، وتبقى العبرة في تفاعلك الحي مع ظروف واقعك بروح فدائية لا تسقط حسابات الجدوى السياسية.