مصارحة.. في ذكرى المولد العطرة

الثلاثاء 06 ديسمبر 2016 10:37 ص بتوقيت القدس المحتلة

مصارحة.. في ذكرى المولد العطرة

في هذه الذكرى العطرة، نؤكد للمسلمين جميعاً، أن الاحتفاء برسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليس كلمات تقال، أو خطباً رنانة تلقى وتسمع، أو قصائد تنظم، أو مهرجانات تقام. إن الاحتفاء الحقيقي برسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يولد فينا رسول الله من جديد، فنراه حياً يسير بهديه وسنته وخلقه في حياتنا، في بيوتنا، في شوارعنا، في جوارنا..

أقول لكم بصراحة هذه الميادين نقدر على إحياء رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيها، فيكون له فيها الأمر والنهي، إذ يستطيع كل واحد منا معشر المسلمين على الصعيد الشخصي، أن يكون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حاضراً في هذه الميادين، دون أن يحاسبنا أحد، أو أن نقع تحت طائلة المسؤولية الأمنية، في بلادنا التي لا تفوت فرصة الاحتفاء بالذكرى العطرة، أو أن نكون في دائرة المطلوبين لأمريكا، بحجة مكافحة الإرهاب. نعم، بإمكاننا أن نجعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قائدنا في بيوتنا مع أبنائنا وزوجاتنا وأقاربنا، ونحن آمنون من الوضع على قائمة الإرهاب الأمريكية أو الروسية أو الأوروبية، أو حتى السيريلانكية..

بتحلل أواصر القربى، وتراخي عرى الأخوة، وفساد الجوار، كل هذا مكّن لمحترفي الغش والفساد.. وبوأهم مكاناً علياً في التحكم برقاب العباد.. ومصائر البلاد.

لا تحاول أخي المسلم أن تقنعني أن سبب غياب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن حياتنا هو غياب الديموقراطية، التي داستها وشوهتها القوانين المؤقتة أو الدائمة في بلادنا، بدءاً من قوانين الانتخابات النيابية أو البلدية، أو حتى الانتخابات الطلابية في الجامعات.. وليس كامناً في قوانين الوعظ والإرشاد، وإغلاق المساجد دبر كل صلاة، أو قوانين الاجتماعات، أو قوانين الأحزاب، أو قوانين المطبوعات والنشر.. أو حتى قوانين الفساد المقنع، التي تدعي محاربة الفساد.. أو غيرها من القوانين والأنظمة، التي تأتي على حقوقنا العامة فتأكلها أكل النار للهشيم..

أريد أن أصارحكم وأقول لكم، وأتمنى أن لا يفهم حديثي هذا على أنه دفاع عن هذه الظلمات الفاسدة، والقوانين المرفوضة، أو حتى من اتخذوها، أو صوتوا لها ممن تم انتخابهم على أساس إبعاد محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى أساس القيم التي حاربها محمد، صلى الله عليه وسلم، نحن بممارستنا الشخصية، وانفصام مسيرتنا السلوكية عن مسيرتنا الدينية، رسخنا هذا المنهج، وفتحنا الباب لظالمينا على مصراعيه، فنحن من انتخب على أسس حذر منها محمد، صلى الله عيله وسلم، فنحن من انتخب على أساس العشيرة والقبيلة، والمصلحة المادية، والمنفعة الشخصية.. وكان الانتخاب والترشيح في هديه، صلى الله عليه وسلم، أمانة وشهادة ومسؤولية عظيمة، نسأل عنها غداً سؤالاً مريراً..

وبتحلل أواصر القربى، وتراخي عرى الأخوة، وفساد الجوار، كل هذا مكّن لمحترفي الغش والفساد.. وبوأهم مكاناً علياً في التحكم برقاب العباد.. ومصائر البلاد. ولو كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حياً في حياتنا الخاصة، يضبط سلوكنا، ويحدد اتجاهنا ووجهتنا، لما كان لهؤلاء سلطان علينا، لكننا بمخالفتنا لرسول الله، في السلوك والمعاملة، وقعنا في شرك شر أعمالنا، التي انتصرت على خير أقوالنا.. فالأقوال ضعيفة جداً وهزيلة أمام الأعمال والسلوك والممارسات..

الذين يحق لهم الاحتفاء بميلاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هم الذين لا يغيب رسول الله عن حياتهم، فهو حيُّ في أخلاقهم وجوارهم وبيوتهم، حي في سلوكهم وتصرفاتهم..

ولا أظن نفسي متجنياً إن تساءلت مع الذين يحتفون اليوم وغداً بميلاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم: كيف تحتفون بميلاده، وهو ميت في واقع حياتكم، ميت في بيوتكم، ميت في علاقاتكم؟! كيف يطيب لكم الاحتفاء بميلاده، وهو يموت كل يوم في واقعكم عشرات المرات؟ نعم، كيف يكون الجمع بين فرح بالميلاد، وتهيئة الأجواء كلها للقتل والموت؟!

إن الذين يحق لهم الاحتفاء بميلاد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هم الذين لا يغيب رسول الله عن حياتهم، فهو حيُّ في أخلاقهم وجوارهم وبيوتهم، حي في سلوكهم وتصرفاتهم، في أخذهم وعطائهم، في بيعهم وشرائهم.. فمع كل سُنّة من سننه تطبق ويعمل بها احتفاء برسول الله، صلى الله عليه وسلم، نعم، إن اتخاذه أسوة حسنة في حياتنا هو الاحتفاء الحقيقي.. فترى السائرين الصادقين في احتفاء دائم، وفرح لا ينقطع، برسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأنهم يتفيؤون ظلاله، ويعيشون هديه، ويسيرون على نهجه.. ومن كان هذا شأنه، فهو في احتفاء دائم حقاً..

فيوم تجعل رسول الله رائدك، وقائدك.. فهو حدث يستحق الاحتفاء.. وإلا فلا خير في كثير من الاحتفالات والمؤتمرات والمهرجانات التي لا تؤسس لميلاد حقيقي لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أمتنا من جديد.. ميلاداً يؤسس لميلاد الأمة، وبعث حياتها، وتجديد شبابها..