هل تعلم أن الإنجليزية لا يُوجد بها زمن المستقبل؟

الثلاثاء 06 ديسمبر 2016 10:35 ص بتوقيت القدس المحتلة

هل تعلم أن الإنجليزية لا يُوجد بها زمن المستقبل؟

في حين أن الإنجليزية تفرق قواعديًا بين الماضي والمضارع -أو بصُورة أدق؛ بين الماضي وغير الماضي- هي لا تستطيع التفريق بين المستقبل وغير المستقبل. حتى يُقال أن لٌغةً ما تمتلك "أزمنة لغوية" مُختلفة (وهو أمر مُختلف عن "التعبير" عن الزمن باستخدام هذه اللُغة)، فلابُد من وجود "تصريفات مُنفصلة" للأفعال كل منها يُعبر بصُورة "حصرية" عن زمن واحد، وواحد فقط.  لنأخذ الفعل walk (يسير) كمثال. التصريف walk مُنفردًا وخارج أي سياق يُشير بصُورة قطعية إلى زمن المُضارع، بينما التصريف walked مُنفردًا وخارج أي سياق يُشير بصُورة قطعية إلى زمن الماضي. 

فى بعض اللُغات كاللغة اليابانية يُمكننا التحكم في زمن الفعل وحالة الحدث بشكل مُنفصل.

أما المُستقبل فلا وجود له. في الإنجليزية، يتم التعبير عن زمن المُستقبل بتحميل معاني المُستقبل على الأفعال المُضارعة (مُضارع بسيط - مُضارع مُستمر)، أو باستخدام أفعال مُساعدة (will - shall)، والتي هي في ذاتها أفعال مُضارعة، وهذا لأن الإنجليزية لا تمتلك أفعالًا مُستقبلية حقيقية.

هل تُريد مُفاجأة أُخرى؟ زمن المُستقبل لا يُوجد في اللُغة العربية!

العربية مثل الإنجليزية تستطيع التفريق بين الماضي والمُضارع فقط. على سبيل المثال، الفعل "يسير" مُنفردًا وخارج أي سياق يُشير بصُورة حصرية لزمن المُضارع، بينما الفعل "سار" مُنفردًا وخارج أي سياق يُشير بصُورة حصرية لزمن الماضي. لا وجود لتصريفات مُستقبلية للأفعال في اللُغة العربية. يتم التعبير عن المُستقبل بإضافة كلمة "سوف" (أو حرف السين) للفعل المُضارع، وهذه الإضافات لا تُعد تصريفات زمنية (التصريف الزمني للفعل هو صُورة نقية من الفعل تُعبر حصرًا عن زمن معين).

للمُقارنة، فالأفعال في اللُغة الفرنسية تمتلك ثلاثة تصريفات زمنية مُنفصلة (ماضي، مُضارع، مُستقبل)، بينما الأفعال في اللُغة الصينية لا تمتلك أي أزمنة على الإطلاق! (في الحقيقة اللُغة الصينية لا تمتلك أي قواعد لُغوية أصلًا، هذا ما أخبرني به صديق صيني). على الجانب الآخر، أحد اللُغات في الكاميرون تمتلك 9 أزمنة مُنفصلة للتعبير عن نقاط زمنية مُختلفة: 4 للمضارع، 1 للماضي، 4 للمُستقبل.

هُناك جوانب أٌخرى للأفعال أكثر غرابة من المُستحيل أن يتعرف عليها الفرد بدون دراسة لُغات أخرى. على سبيل المثال، هل تعلم أن "زمن الفعل" ليس هو الخاصية الزمنية الوحيدة التي يحملها الفعل؟

تعرفت على هذه النُقطة أثناء دراستي للأفعال في اللُغة اليابانية. قابلني تصريف مٌعين لم أتمكن من استيعابه على الإطلاق على الرغم من بساطته. السبب هو أنني لم أكن أعلم بعد عن وجود خاصية زمنية أُخرى تُشير إليها الأفعال. بالإضافة لخاصية "زمن الفعل"- أو tense  بالإنجليزية- فهُناك خاصية زمنية أُخرى ترتبط بالأفعال تُسمى grammatical aspect، والتي سأُترجمها إلى "الحالة الزمنية للحدث المُرتبط بالفعل"، أو "حالة الحدث" اختصارًا.

تعجز اللغة العربية عن التعبير عن حالة الحدث بشكل مُنفصل عن زمن الفعل.

زمن الفعل يُخبرنا عن موقع الحدث بالنسبة لخط الزمن (الماضي - المضارع - المُستقبل). بعبارة اُخرى، زمن الفعل ينظر للحدث من "الخارج" ويُجيب عن سؤال "متى وقع الحدث المُرتبط بالفعل؟". على النقيض، خاصية "حالة الحدث" تنظر للفعل من الداخل. هي تُخبرنا عن:

1-  التوقيت الداخلي للحدث المُرتبط بالفعل.

2-  طبيعة الحدث أثناء وقوعه.

3-  درجة اكتماله، بعبارة اُخرى هي تُجيب عن أسئلة مثل "هل الحدث المُرتبط بالفعل مُستمر أم مُتقطع أم لحظي؟"، "هل اكتمل وقوع الحدث المُرتبط بالفعل أم لا؟".

في بعض اللُغات يُمكننا التحكم في زمن الفعل وحالة الحدث بشكل مُنفصل -اللُغة اليابانية مثلًا- بينما في لُغات اٌخرى -كالإنجليزية والعربية- لا يُمكننا فعل ذلك. تأتي الأفعال في هذه اللُغات على هيئة عُبوات مُغلقة "مُسبقة الضبط" لا يمكن تغييرها.

المثال التالي قد يوُضح الفكرة. لنأخذ الفعل "أَكَلَ" في اللُغة العربية. هذا الفعل يُعبر عن حدث مُكتمل وقع في الماضي. لو قُمنا بتحويل العبارة السابقة لمُعادلات رياضية، فيُمكننا القول أن الفعل "أكل" يُعبر عن حدث بالخصائص التالية: زمن الوقوع = ماضي، حالة الحدث = مُكتمل.  الآن، ماذا لو أردنا التعبير عن استمرار وقوع حدث الأكل في الماضي؟ بعبارة اٌخرى، هل من المُمكن تصريف الفعل "أكل" بحيث يُعبر عن حدث بالخصائص التالية: زمن الوقوع = ماضي، حالة الحدث = مُستمر؟

من المُستحيل فعل ذلك في العربية. "الضبط الافتراضي" لحالة الحدث المُرتبط بالفعل الماضي في اللُغة العربية هو أنه مُكتمل، وفي العربية لا يُمكننا تغيير حالة الحدث بصُورة مُنفصلة عن زمن الفعل. قد تُفكر في شيء مثل "كان يأكل" للتعبير عن المعنى المطلوب. في حين أن "كان يأكل" يُمكنها بالفعل "التعبير" عن المعنى، إلا إن ما لدينا هُنا ليس تصريفًا؛ وإنما خليط غريب من فعلين أحدهما مُضارع! من أين جاء المُضارع أصلًا إن كنا نتحدث عن الماضي؟

مرة اُخرى، السبب هو عجز العربية عن التعبير عن حالة الحدث بشكل مُنفصل عن زمن الفعل.

في الحقيقة من المُمتع تحليل التركيب السابق. "كان يأكل".. بالنسبة للفعل "كان" فلدينا الخصائص التالية: الزمن = ماضي، حالة الحدث= مُكتمل؛ بينما الفعل "يأكل" فلدينا الزمن = مضارع، حالة الحدث = مُستمر. تذكر أننا كنا نحاول البحث عن فعل يُعبر عن حدث الأكل بالخصائص التالية: الزمن = مُاضي، حالة الحدث =مُستمر، ولكن لأنه ليس بالإمكان فصل الزمن عن حالة الحدث في العربية، فالحل الذي توصلنا إليه هو استخدام فعل "كان" للتعبير عن الزمن فقط مع تعمد إهمال حالة الحدث المُرتبطة به على أساس كونه فعلًا مُجردًا، واستخدام فعل "يأكل" للتعبير عن حالة الحدث فقط مع تعمد إهمال الزمن المُرتبط به على أساس أنه جاء ثانيًا في الترتيب.

في اليابانية لسنا بحاجة لكل ذلك؛ حيث لدينا تصريف مُباشر للفعل المطلوب: التصريف 食べていた من الفعل 食べる.