عندما نكتب ولا يقرؤون.. ما نفع المدونات؟

الخميس 24 نوفمبر 2016 12:25 م بتوقيت القدس المحتلة

عندما نكتب ولا يقرؤون.. ما نفع المدونات؟

كثيراً ما أسأل نفسي بعد نشر المدونة ترى هل من فائدة؟ حسنًا قرأها هذا العدد أو ذاك من القراء، بعضهم ترك تعليقاً آخرون لم يتموا القراءة، ولكن ما الفائدة؟ هل تغير شيء في أي منهم؟ هل استفاد أحدهم من كلمة كتبتها أو رأى فيها ما يمكن أن يؤثر على حياته مستقبلاً؟ هل نكتب حتى ننشر ويُقرأ لنا أم نكتب لأن الكتابة تكفي في حدّ ذاتها؟

عندما قررت التدوين أولَ مرّة منذ سنوات قمت بإنشاء مدونة خاصة كانت تتشح بالسواد وتبدأ بفقرة قصيرة عن الشيشان، كتبت بضع مدونات أخرى ثم أهملتها، تكرر الأمر مع منصات مختلفة وفي أوقات مختلفة. في تلك الأثناء بدأت أفقد مهارتي بعض الشيء فالكتابة بالنسبة لي كالعادة الأليفة، تخسرها إذا ما أهملتها. كنت في المرحلة الثانوية عندما كتبت نصوصي الأولى قصصاً قصيرة وقصائد وبضع مقالات، كان موضوع التعبير سبباً للمعاناة بالنسبة لي، فلا أفهم كيف يطلب مني أن أكتب عن أيهما أفضل القرية أو المدينة مع ذكر الأسباب؟!

ليس الجميع يبحث عن التعلم ولا المعرفة والتجربة الأدبية، بل عن الصرعة الجديدة والنص الذي يعرفه الجميع.

بالنسبة لي كانت الكتابة شيئاً خارجاً عن القواعد والقوانين ولأجل ذلك خسرت ما يقرب من 5 درجات في امتحان الثانوية النهائي لأنني لم أكتب كما ينبغي، يقولون لنا هي كتابة إبداعية وعندما تكتب يمسحون ويطلبون منك أن تعيد الكرة وفق "أصول" الكتابة.

الآن بعد سنوات مضت ولأسباب لا يمكنني حصرها هنا أعتقد أن شيئاً ما هرب منّي، لا أعرف ما هو، ربما هو الضياع الذي يصاحب الكتابة الحقيقية، ليس ضياع العشوائية والعدمية، ولكنه ضياع في الكتابة نفسها. قليلاً ما أرى أنني أترك نفسي لأكتب ما يختلج في صدري، بات يؤرقني كثيراً ما يجب وما ينبغي وما هو مناسب وما سيُقرأ وما سيُهمل. يعتريني الفضول لأعرف ماذا يقرأ الناس وعندما أبحث أجد أنهم يقرؤون ما يسوق لهم بصورة جيدة، هذا هو المحكّ، التسويق الجيد، لا ليس الجميع يبحث عن التعلم ولا المعرفة والتجربة الأدبية، بل عن الصرعة الجديدة والنص الذي يعرفه الجميع.

أدخل كل يوم صفحة المدونات محاولة متابعة ما يكتب، تلفت نظري أسماء غير مألوفة ومواضيع لا يتناقلها الجميع. أي حديث عن المغرب العربي أو أفريقيا له طابع خاص ومكانة متفردة في نفسي، ولكن للأسف لا يشارك الكثيرون هذا الاهتمام لذلك تجد غالب هذه المدونات محدودة الجمهور على أهميتها.

أنظر مرة أخرى فأجد أن هناك اعتياداً، الناس تعتاد كتّابها، وهذا أمرٌ طبيعي، على مرّ الأزمنة هناك كتاب وقراء ومتابعون، وعلى مرّ الأزمنة حاول الكتاب أن يوسعوا دائرة قرائهم قدر الاستطاعة. أنا أحياناً أفكر في ذلك وتعتريني رغبة في أن أكتب فيقرأ الناس من كل مكان ومن كل زمان ليس فقط الشباب من أمثالي، وإن كنت أعدّ نفسي قد بدأت رحلة الشيخوخة الآن وقد أتممت الثلاثين، لا ليس تعاسة ولا كرهاً للحياة ولكن لأنك لا تدرك أهمية ما تبقى إلا عندما تقنع نفسك أنك بدأت تكبر وتقترب من نهايتك، وإلا ستبقى طوال حياتك تردد: مازال هناك وقت، مازلت شاباً، العمر مجرد رقم، والصبا صبا القلب! وكل هذا لا بأس به ولكن علينا أن نفكر بجدية في موضوع الزمن بعيداً عن خوفنا من المشيب.

بالعودة إلى حديثنا، هل نكتب ليقرأ الناس أم نكتب من أجل الكتابة نفسها؟ ولعل السؤال يجب أن يحمل شيئاً من هذين الافتراضين، نحن نكتب لأن الكتابة جديرة بالقراءة، نكتب من أجل الكتابة والكتابة لا تكون حتى يقرأها الناس، وإلا لكانت حديث نفس يمكن أن تنتهي منه وأنت تنظر إلى نفسك في مرآة حمامك!

أعتقد أن ما أريد قوله أننا في بعض الأحيان نفقد البوصلة، نكتب من أجل الكتابة أو نكتب من أجل القرّاء، ولكن ننسى أن نقرر لماذا نكتب ما نكتب؟ لماذا نختار موضوعًا بعينه وكلمات بعينها؟ أفكر أحياناً بأنني يجب أن أكتب عن المواضيع المهمة، ثم أعود فأقول ولكن لا أحد يقرأ المواضيع المهمة، فأقول إذاً فلأكتب عن المواضيع التي يقرؤها الناس، ولكنني لا أحب هذا النوع من الكتابة، ثم أقول اكتبي ما تريدين وإن كان صادقاً سيصل، ولكن ماذا لو كان صادقاً ولكنه بلا فائدة؟ هذه الدوامة من الأسئلة التي تخنق الكاتب وتقتل الكلمة هي التي أتعثر بها في كل مرة.

أهزمها في مرات وتخرج الكلمات من أحشائي وتصل، وتهزمني في أحيان أخرى وأكتب عن المهم أو عن المقروء فأتجرع كلماتي قبل أن يقرأها الآخرون وقد لا تصل. أنظر إلى لائحة عناويني فأحس بالأسى على النصوص التي تحمل أقل عدد من القراء، أقول لنفسي لماذا لم يقرأ الناس ذلك الموضوع المسكين؟ إنه موضوع مهم ويجب أن نتحدث عنه.

ننسى أن نسأل أنفسنا هل المشكلة أننا لا نكتب بصدق؟ هل المشكلة أننا لا نكتب كما يجب؟ هل المشكلة أننا أصبحنا نبتذل الكتابة ونتاجر بها مقابل أعداد تظهر على جانب الصفحة؟

أفقد الرغبة في الحديث من خلال الكلمة وأفقد الحماس وأقول لا شيء يتغير، سنقرأ ما يروق لنا ونترك ما يكدر صفو حياتنا، هكذا كان الأمر دائماً. ربما من أجل ذلك بارت الروايات التي تحكي الحقيقة لأنها متعبة أكثر من اللازم؟ هل نحن جيل من الكسالى الذين لا يريدون أن يبذلوا مجهوداً نفسياً؟ هل نبحث عن مهرب دائم من كل شيء في النصوص الطائرة الخفيفة؟ كما نهرب من الحديث عن المصائب والنوازل؟ أنا أفعل ذلك كثيراً من الوقت فلماذا ألوم الناس إن هم تركوا ما يغمّ؟

نحن نعاني من وباء الاستعجال، استعجال النتائج، نريد أن نرى أثر ما نفعل ونمسكه بأيدينا حالاً، نريد أن نعيش الحياة بأكملها في لحظات، نريد للسعادة أن تأتي سريعاً فنسلك طرقاً إليها تأخذنا إلى نهايات قريبة ما أن ندركها حتى تموت الرغبة في الاستمرار ونبحث عن طريق جديد نسلكه. ربما من أجل ذلك تركت الكثير من مشاريع الكتابة غير المنجرزة، ربما من أجل ذلك خذلت نفسي ومن صدّقوني عندما قلت سأكتب وتخليت عن الكلمات في كثير من الأحيان دون سبب إلا لأنني أعطيت نفسي أكثر مما تستحق ربما، توقعت أن يقرأ الجميع وينبهروا ولما لم يقرؤوا وينبهروا قلت لا فائدة لماذا أكتب إذاً؟؟ ولم يخطر ببالي عندها مع حماسة الكبرياء أنني ربما لا أكتب كما ينبغي، ربما لا تروق كلماتي للجميع، ربما المشكلة في الكاتب لا فيمن يقرؤون.

غالباً ما يظن من يكتب أنه يمكن أن يقيم أداءه بعدد القرّاء، أو تعداد المبيعات، أو عدد المشاركات إن كان كاتباً إلكترونياً، وما أن ينخفض العدد حتى يأخذ في التفكير والبحث عن السبب، لماذا هل هو الوضوع؟ هل هو أسلوب الكتابة؟ هل هي طريقة النشر؟ أم أن القرّاء لا يفهمون ما أكتب؟ لا يقدرون ما أكتب؟ وننسى أن نسأل هل المشكلة أننا لا نكتب بصدق؟ هل المشكلة أننا لا نكتب كما يجب؟ هل المشكلة أننا أصبحنا نبتذل الكتابة ونتاجر بها مقابل أعداد تظهر على جانب الصفحة؟

عندما أتعرض شخصياً لموقف كهذا أسأل نفسي إن كانت العبرة في عدد القرّاء أو فيمن قرأ فتأثر؟ ربما قرأ كلماتي واحد فعاش بها وربما قرأها 100 فمرت عليهم دون أن تترك أثراً. لماذا نكتب إن لم يقرؤوا وما نفع المدونات؟ فلنهدأ قليلاً ولنحاول التعافي من وباء الاستعجال، ولنترك الرغبة في أن نلعب دور القادة الملهمين، لنكتب لمن يقرأ الآن، وسيأتي من يقرأ غداً، لنكتب اليوم دون حساب لأن الكلمات كنقاط الماء تنخر الصخر، كلمة فوق الأخرى، نص يسند صاحبه، علينا أن نسخى فيما نمتلك، وليس لنا أن نختار لمن يصل.