غزة.. السجينة الجميلة!

السبت 09 يونيو 2018 04:58 م بتوقيت القدس المحتلة

غزة.. السجينة الجميلة!

بقلم المدونة والإعلامية الفلسطينية: هديل سلامة

القلم يلتمع يغويني بالاقتراب.. لكن الحكاية تختلف ساحرة النبرة، ثرية بالدماء لا يحتملها انحناء القلم.. القلم في بعض الأحيان يتحول إلى نصل يحز ورقة الروح فلا أكتب وأحلق عالياً ولا ألقي القلم جانباً فأستريح. يا مدينة تحمل النور حتى وإن فقدت عينيها. يا جمر الموت بين القصف والصمت؛ صمت من باعوا القضية وقبضوا! يا عطر الأشلاء ونزيف الأطراف المبتورة. يا شهقة الروح على جسدٍ أنهكه الحصار. لكل ذلكِ؛ غزة التي استعادت ملامحها لا يغرنك العويل ولا البكاء!

يكفي أنها مدينة بلا أغلال تتنفس الحرية والكرامة.. بصقت في وجه الجبناء والمتخاذلين، وتنفستِ الرجولة الحقًّة. فيما بعضهم يرمقها بغيظٍ لأنها مزقت هيبته! ليتهم وقفوا عند ذلك الحد؛ يتعرُّون أمامك بطريقةٍ مخجلة دون أن يشعروا بتأنيب الضمير! ليس فقط بنصرهم الباطل ولكن بحيادهم عن نصرة الحق. اعلم جيداً أيها المتخاذل، المتآمر.. غزة لم يعد يعنيها الانحناء أو الانتصاب ما عاد يعنيها الأغلال التي قيّدت نفسك بها، فالخيار الآن هو خيار الوقت.. إما أن تلتحق بالركب أو لا تلتحق.. إما أن تتطهر بسرعة أو تبقى نجساً، إما أن تبقى في العتمة وإما أن تلتحق بركب النور. ما الفائدة في أن نقسم المصائب ونسميها؟ هذه نكبة وذاك نزوح وهذا لجوء.. أما حروب غزة الأربع فهي نكبات لا تختلف عن النكبة الأولى.

ما فائدة التسميات ما دمنا كما نحن لم نتغير، نستجدي حقنا على عتبات مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة والجامعات العربية! والأدهى من ذلك؛ أصبحنا نرى أن للّص حقاً في أرضنا وزيتوننا وبحرنا وقدسنا وأصبحنا بارعين في إعطاء مسميات أخرى للركوع والاستسلام والتعايش مع الاحتلال. ستون عاماً بقينا كما نحن.. لم يطرأ أي جديد يُذكر سوى مزيداً من الدوران حول أنفسنا. يطل بحر غزة بموجه الهادر ليغرق من باعوا المرافئ ولوثوا الذاكرة وشوهوا الحقيقة. نمارس لعبة الهرب.. الهرب من قدرٍ يتسابق نحونا. أحاول أن أغمض عينيَّ حتى لا أرى القادم الأسوأ، لكن لا مفر تشعر وكأن ثعبان الترقب يلتف حول رأسك ولا يُخرِج إلا الأسوأ.

الحياة كل الحياة في غزة حتى وإن كانت رائحة الموت تزكم الأنوف ففي اللحظة التي تحفر فيها قبراً لروح تنتصب فيها روحاً أخرى. رغم القذارة العربية

موج من فوقه موج من فوقه سحاب.. هذه هي غزة الآن، تعيش بلا عيون في عمق الظلمات! لكن ما فائدة العيون وليس هناك نور. أتساءل كثيراً هل للموت لون واحد؟ كلا وألف كلا؛ فالصمت موت، والطفولة الشاحبة الكالحة موت، الحصار موت، الصرخة الغائرة في صدر الرجولة موت، والدمع الثقيل في عين الأم موت. تُبعثرك الحكايا وتُمزق أنفاسك تصبح كأنك ورقة صغيرة تقذفك المشاهد هنا وهناك!! تلتفت يميناً فتجحظ عيناك، تلتفت يساراً فتشهق فلم يبقَ أمامك سوى الهرب حتى لا ترى أكثر مما تحتمل! بالأمس كان بائع الورد الأشهر في غزة كلها، اليوم يعود متعثراً إلى بيته يحمل ورده الجاف. اليوم تبدو غزة كلها مراكز إيواء.. غزة السجينة الجميلة التي تنام وتصحو بثياب السجن.. لا ماء ولا كهرباء ولا وطعام ولا دواء أيضاً لا ضوء يتسلل من خلف النوافذ، ولا ضحكات ترتسم على أفواه أبنائها حيث تمتلئ الحناجر بطعم الموت.

ومع كل ذلك.. الحياة كل الحياة في غزة حتى وإن كانت رائحة الموت تزكم الأنوف ففي اللحظة التي تحفر فيها قبراً لروح تنتصب فيها روحاً أخرى. رغم القذارة العربية ما زالت غزة تتطهر وقد التصقت بالمقاومة فغدت رغم الدماء النازفة صبيةً غضةً يدها خضراء.. رغم العهر، رغم القهر والعتمة.. ما زالت غزة تعيد رسم الخريطة وتكشف الوجوه البشعة! رغم الأشلاء التي لا تجد لها قبراً ما زالت غزة تركل وتركل حتى لا تركع! تعطيك رغم كل الوجع والقهر مفهوماً جديداً للحياة، وطريقاً آخر غير الاستسلام والخضوع؛ فالطيور التي تبني أعشاشها ثم تسلمها لأعدائها لا تستحق أن تطير!