لماذا استحقت رزان كل هذا الحب؟

الإثنين 04 يونيو 2018 03:36 م بتوقيت القدس المحتلة

لماذا استحقت رزان كل هذا الحب؟

بقلم الروائية والكاتبة: سماهر الخزندار

بالأمس خضت نقاشاً قصيراً كاشفاً عن واقع التضحية في عمومه، ثم خصوصيته في الحالة الفلسطينية، وأعتقد أن أهم ما خرجت به من هذا النقاش على المستوى الشخصي هو فرضية أن "الرسالة النضالية في فلسطين لا تُورث بل تُعتنق، وكل محاولات احتكارها فشلت فشلاً ذريعاً، لهذا فإن سقوط أي فصيل أو تراجع خطابه الثوري لا يقتل القضية".

هذه الفرضية على ظاهرها المثالي الذي قد يبدو للوهلة الأولى غير واقعي، في اعتقادي صحيحة، باختصار لأن أصحاب الرسالة في الواقع الفلسطيني موجودين في كل الميادين ومؤثرين ومتفانيين، وفي حال تعبوا وتراجعوا يخرج غيرهم ويواصل، وغيرهم لا يجب أن يكون على صلة بهم أو من فصيلهم أو من حيهم، غيرهم قد يخرج من أي مكان. والأدلة على صحة هذا الأمر تضرب وعينا بشكل مستمر دون أن ننتبه كيف شَكَّل تراكمها، على مر عقود المقاومة الفلسطينية، حالة ثورية حجزت للشعب الفلسطيني مكانته في التاريخ متصدراً صفحات النضال الأسطوري الملحمي.

فهذه المكانة، لم يحملنا إليها القادة الذين يتربعون حالياً على كراسي الحكم الوهمي، بل سطَّر أهم ملامحها ملحمية وبطولة القادة الميدانيين، والثوار الصغار، والمقاتلين الأبطال في ميادين المواجهة المباشرة، والشباب المبدعين في ميادين العلم والصحافة والأدب والفن والعمل الجماهيري، أما القادة فمن صلح منهم من ذوي التاريخ النضالي النظيف تم اغتيال أغلبهم.

رزان فتاة خزاعة الفقيرة، التي لم تعطِها بلدها أقل حقوقها في تحقيق حلمها البسيط في استكمال تعليمها الجامعي، لم تستسلم لواقعها المؤلم، فالتحقت بدورات الإسعافات الأولية في مؤسسة إغاثية

لذا حين نتكلم عن أيقونات النضال الفلسطيني التي سكنت أذهان الناس، سيقفز إلى أذهاننا أسماء أولئك الذين مشوا في طريق التضحية بكامل وعيهم، وحملوا رسالة النضال للسبب البسيط؛ أنهم أرادوا، ولم يتراجعوا حتى نالوا الشهادة أو أُسروا، مثل محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، ودلال المغربي، وغسان كنفاني، وفضل شناعة، ويحيى عياش، وأحمد سناكرة، وناجي العلي، حتى أننا قد نبتسم ونحن نتخيل وجه عهد التميمي الغاضب، القائمة ستتغير من شخص لآخر حسب اطلاعه وتجربته لكن في مجملها ستكون خالية تقريباً ممن حصلوا على امتيازات السلطة والنفوذ. وحتى لا نذهب بعيداً لِمَ لا نذكر شهيدة غزة الأخيرة؛ منذ يومين استشهدت رزان النجار، فتاة ضئيلة الجسد عالية الهمة، أصرت على أن تواصل عملها التطوعي في مسيرات العودة كمسعفة ميدانية، برغم كل التحذيرات والمطالبات لها بالتراجع.

رزان فتاة خزاعة الفقيرة، التي لم تعطِها بلدها أقل حقوقها في تحقيق حلمها البسيط في استكمال تعليمها الجامعي، لم تستسلم لواقعها المؤلم، فالتحقت بدورات الإسعافات الأولية في مؤسسة إغاثية، وانتقلت من مستوى لمستوى أعلى، ودعَّمت هذا بالعمل التطوعي، وراكمت هذه الخبرات وحملتها على ظهرها، وشقت طريقها لأكثر النقاط سخونة على الشريط الحدودي الفاصل جنوب قطاع غزة، لتقوم بالإسعاف الأولي الميداني في نقاط الاشتباك، قبل نقل الإصابات ليتم التعامل معها في المستشفى الميداني.

تعرضت رزان للاختناق والإصابة عدة مرات، وفي كل مرة حاول زملاؤها إبعادها عن الميدان خوفاً عليها، كانت تصر أكثر على المواصلة، وكانت تصرح بإصرارها هذا بعفوية للصحافين الذين لفت تفانيها انتباههم، وحين سألها أحدهم إن كانت خائفة من الإصابة أو الاستشهاد قالت بلا تفكير "فداهم" في إشارة للمتظاهرين الذين احتاجوا مساعدتها. هذه الروح العفوية العفية، التي أثرت فينا جميعاً باكراً منذ بدء مسيرات العودة، هذه الرغبة الجامحة في التضحية والإرادة النافذة في إشباعها، هذا الإصرار على الاستمرار، هذه الشجاعة في مواجهة الخطر لإنقاذ الأرواح، هذا الاحترام لقدسية الدم، هذا الحب المتحرك على قدمين، والوفاء النابض في العينين الطفوليتين، هذا كله ما جعلنا جميعاً نقع في غرام هذه المخلوقة السامية، ونشعر بالفجيعة لفقدها، ونغرق في الحزن لغيابها، وندخل في حالة من النحيب الروحي الصامت والصاخب لرحيلها.

في مثال متوهج للبطولة والشجاعة جسدت رزان في أذهاننا الحالة النضالية البطولية البريئة النظيفة في أبسط صورها، تلك الحالة التي ظننا أننا أضعناها للأبد؛ صبية بالكاد دخلت عقدها الثاني؛ خرجت من بيت فقير، وعانت من ويلات الحصار، وعاشت مآسي ثلاث حروب، وصُودر حقها في تحقيق أبسط أحلامها.

رزان رحلت عنا لتسكن وجدان الشعب الذي استشهدت لتبقي قضيته حية، وتبث فيه المزيد من العزيمة والقوة والحياة

وبدلاً من أن تستسلم لواقعها المرير، رفضت أن تكون مفعولاً بها، ضحت بلا مقابل، علقت مبادئها على عصا أمامها ومشت خلفها تحت الرصاص وبين سحب الغاز المسيل للدموع، وكافحت من أجل ما اعتقدت أنه حق، ثبتت بقوة العزيمة المستقلة، لم تتكئ على حزب أو فصيل أو تنتظر أن يُقابل عملها هذا بأجر، توقعت الموت في سبيل رسالتها ورأته عياناً، ولم تتراجع، وفعلت كل هذا بإرادتها ولم تسمح لأحدٍ أن يثنيها، ثم استشهدت!

في ذلك المساء الذي استشهدت فيه رزان النجار زلزل الحزن غزة، وسرى في عروق فلسطين غضب قديم، لكن لاحقاً حين تمر الأيام ستصبح رزان رمزاً للأمل، ورمزاً للنضال بدافع الرغبة الخالصة الذي يوقد شعلة الحياة في هذا الشعب، ستصبح رمزاً لكفاح الشعب الذي يضحي لأنه يريد، ويناضل لأنه يرفض العجز، ويواصل لأنه لا يستسلم. يوماً ما ستتسلل قصتها للحواديت، وتسكن قلوب وأرواح الأطفال الذين سينظرون بدهشة وشغف لدموع جداتهم، وسيوصد الباب في وجه بائعي الوهم وتجار الدم وخائني العهد، رزان رحلت عنا لتسكن وجدان الشعب الذي استشهدت لتبقي قضيته حية، وتبث فيه المزيد من العزيمة والقوة والحياة، تركتنا لتصبح طاقة نور اختارت أن تنير لنا عتمتنا بدمائها.

وأنتم تفكرون في هذا الكلام أريدكم أن تستحضروا ابتسامة ياسر مرتجى وصفاء عيني أحمد أبو حسين، بإمكاني أن أستمر في سرد الأسماء لكن لِمَ لا تدعوا صور الراحلين الباسمين تعبر أرواحكم وتعيد لها إيمانها، كل منا يعرف أبطاله الذين حملوا رسالة الحب، وبثوا الجمال حوله وجعلوا حياته في هذا العالم البشع ممكنة، فلا تبخلوا على أنفسكم بما منحوكم إياه بكامل الرضا قبل أن يرحلوا. ضعوا أيديكم على قلوبكم وصدقوا، ما يزال في هذا الشعب خير، بمثل هؤلاء فقط وحتماً سننتصر.