أينمَا ولَّيت وجهي كانت تلقاني رَزان

السبت 02 يونيو 2018 06:06 م بتوقيت القدس المحتلة

أينمَا ولَّيت وجهي كانت تلقاني رَزان

بقلم المدونة الليبية: منال الحاج

هَل سبقَ أن شاهدُّتم طفلة بثوبِ ملائكةٍ تحملُ همَّ قضية بات عُمرها سبعين عامًا؟ هل سبق أن شاهدتم ملامح بريئة تكتسي صمودًا وإرادة لم تروها لدى شباب في أوجِ طليعتهم؟ هل سبق أن سمعتم صوتًا مُرهفًا دافئًا يحمل في قَسماته حرصًا على القضيِّة وتعهدًا بمواصلة السَّير فيها حتَّى لو أخذتها الخطوات لأن تُواجه الموت وجهًا لوجه من المسافةِ صفر؟!..

أقولُ نعم إذا بلغَت القضيَّة في قلبِ أحدهم مبلغ اللّاعودة.. وبشيء من الدِّقة أنا أعنيها هِي.. أي "رزان النجار" المُمرِّضة المُتطوِّعة ذات الواحِد والعشرين ربيعًا ابنة غزَّة وفلسطين.. ولمثلها أنحني ومِثلي لا ينحني أبدًا. بابتسامتها العَذبة وقامتها الضَّئيلة وزيِّها الطبي الفَضفاض تَقف متسمِّرةً في شموخٍ تتوسَّط صُورتها كُلَّ أخبار مساءِ الجُمعة الحَزين.. حيث ارتقت شهيدةً وانضمَّت لقوافل شُهداء مسيرات العَودة في غزَّة.. وكأن ما يُكتب عنها لوحده يَجِب أن يُسطَّر في خانة مُشرقة من تاريخ النِّضال المُشرِّف في فلسطين.

ما فعلته رزان والطَّواقم الطبيِّة والصحفيِّة ومن تحدُّوا جبروت الاحتلال الإسرائيلي.. عمل بطولي ستخلده الأصوات الصَّادحة بالحقِّ وتدوِّنه أقلام تلاميذ اليَوم

أناظر صُورها وفيديوهاتها.. وأفهم منها الكَثير.. أفهم أن عُودها الأخضر سُقي بماءِ كبرياءٍ زلال لا ذُلَّ فيه.. وتلك الشَّجاعة التي تجعلها تتقدم إلى حيث السِّلك الفاصل خُطوة بخطوة مع المُتظاهرين السلميِّين أراها فطريَّة لا مُكتسبة.. جَرت في عُروقها كما تَجري الدِّماء.. وأن شمس العَودة كالحقِّ تمامًا.. ما فتئت تتعاقَب على أفكارها حتَّى اشتد عُودها وأزهر الجَمال والقوَّة في آنٍ معًا.. فتشعرك نظراتُها أن الأمر لا يتعلَّق بها.. بل بوطنٍ وأُمّة.. وطن عرفناه من أطفالِ الحجارة الذين كُنَّا نشاهِدهُم على الشّاشات الإخباريَّة الذين هُم أباءُ وأمَّهات هذا الجِيل.. فكم أسَرت قلوبنا مشاهدهم وهُم يقفُون بكل ما أوتوا من قوَّةٍ وشجاعةٍ أمام بطشِ جيش مُنظَّم حصد من الأرواحِ الكثير.. لكنَّه لم يَسطِعْ أن يقتلَ فيهم رُوح المُقاومة.. أو يكسرَ في أنفسهِم الصُّمود.. ومنهم تعلَّمنا.. ومن مثلِهم فقط نتعلَّم.

عندما تعلم أن رزان كانت تقفُ في ظُهور الرِّجال ممَّن أبوا الاستكانة والذُّل لتقوم بتطبيبهم ومُداواة جِراحهم هي ومن مَعها من أطقمٍ طبيَّة.. سيشعرك الأمر بخيبةٍ ما وألفِ غصَّة لا تعرف سبيلها للانفراج.. غصص تُحرِّك عَواصف ترسُّبات هَزائم لاذعة وانتكاسات مَريرة مَرَّغت عزائمنا في وحلِ الذلِّ والانهزام والسَّلبية..

رزان المُتطوِّعة، لم تُكملْ مسيرتها الدِّراسية في التَّمريض لسوءِ الأحوال الاقتصادية والمعيشيَّة.. لكنَّها فعلت ما لم يفعله أصحاب الشَّهادات العُليا ومراتب الشَّرف.. وقالت في مقابلة لها سابقًا: "لا أخشَى الموت.. وإن متُّ فروحي فداءُ للوطن.." رزان همَّة عالية ما نحن أمامها بشيء.. وإنِّي لأكتب عنها رُغم علمي أن الكلمات لن تنصِفها.. ولكأنَّ عزيمتها المُلتهبة رمت بشررها علينا جميعًا.. فأيقظت فينا حاجَة ماسَّة لإنصاف الحقِّ والتمكُّن له..

رزان قضت نحبها.. لكنّ ذِكرها العطر وموقفها البطولي سيُدرَّس.. ولا أقول هذا مبالغةً ولا تهويلًا.. لكن من يُشاهد أحوال الأمَّة العربيَّة والإسلاميَّة ويتفقد قلوب شَبابها وقد استوطنت بداخلهم الملذَّات والأهواء وزُخرف الدُّنيا.. وجعلوا يعكِفون عليها حتَّى نسوا أن قبلة القَلب مُقدَّسات تنتهك حرمتها جهارًا نهارًا دون يرفَّ لهم جفن أو تقُوم لهم قائمة.. وحالهم وقد بات يشابه حال الميِّت السريري.. فلا هو حيٌّ يشبه في الأحياءِ شيئًا، ولا هو ميِّت لا يُعوَّل عليه كالأموات.. المُمعن في النَّظر سيفهم أن ما فعلته رزان والطَّواقم الطبيِّة والصحفيِّة ومن تحدُّوا جبروت الاحتلال الإسرائيلي ومشُوا في مسيرات العَودة والمُرابطون في الأقصَى وفي كلِّ مكانٍ تُنتهك فيه المُقدَّسات.. سيفهم أنَّه عمل بطولي ستخلده الأصوات الصَّادحة بالحقِّ وتدوِّنه أقلام تلاميذ اليَوم.. لتقدِّم البطُولات على غرارهِ في الغَد..

أكتب عنها لأن صورتَها أبت أن تُفارق مخيَّلتي.. ولكأنَّما أبيات قصيدة للشَّاعر علي صدقي عبد القادر لِسان حالي حيث كتب:

أينمَا ولَّيت وجهي كان يَلقاني الشَّهيدْ

وعلى عاتقِه الأعوام والماضي البَعيدْ

وكأنَّ هذا بالفعلِ ما أرَاه.. صُورتها لا تبرح ذاكِرتي بكل تبايُنِها.. بتلك الابتسامة.. وذاك العُنفوان.. أينمَا ولَّيت وجهي كانت تلقاني رَزان.. رحمِها الله..