من البر للبحر.. هكذا تحاول غزة التقاط أنفاسها!

الخميس 31 مايو 2018 12:55 م بتوقيت القدس المحتلة

من البر للبحر.. هكذا تحاول غزة التقاط أنفاسها!

بقلم الكاتب الفلسطيني: حسين عاهد حلس

في ظل الأوضاع الصعبة التي ما زال يعانيها قطاع غزة وفي واقع أصبحت فيه المفردات السياسية غير مجدية تحاول الهيئة الوطنية لمسيرة العودة وكسر الحصار شد انتباه العالمين العربي والغربي لتفتح بوابة غزة المغلقة منذ سنوات، هذه البوابة التي ما زال مِفتاحها ضائعاً في شِباك مصالح العالمين، فهي جسدت صورة حقيقية لمصير قطاع غزة الملغوم إذا ما استمرت سياسة الخنق والتكبيل الإسرائيلية والدولية، وفيما تحاول مسيرة العودة تكريس جهودها نحو هذا الهدف بدأنا نلاحظ تباطؤ وانحدار في مستوى التفاعل الاجتماعي معها. فكيف تحاول مسيرة العودة استمرار فعالياتها! وكيف خصصت أهدافها ومسمياتها لكسب شرائح المجتمع وما هو مصير قطاع غزة بعد الاستفزازات العسكرية الأخيرة؟

مسميات مسيرة العودة من المفهوم العام للخاص

الجمعة الأولى لمسيرة العودة في يوم الأرض كان مفهومها يندرج تحت الإطار العام فهي لهدف يوم الأرض وحلم العودة، وبعد النجاح الجماهيري الكبير والحشود المؤلفة لهذا اليوم كان لا بد من خصخصة هذه المفاهيم العامة لتكمل المسيرة بكل قوتها طريقها نحو لفت العالم لظروف غزة والذي نجم عنه التسميات الكثيرة ليوم الجمعة كجمعة الكوشوك "الإطارات" وجمعة العلم وجمعة الشباب الثائر وجمعة الشهداء والجرحى وصولاً لانتقاء وتخصيص المدن الفلسطينية كلاً بمفرده متخطية ديموغرافية غزة وحدها، لتصبح الجمعة القادمة هي جمعة "من غزة.. لحيفا" وهي التي تستهدف أهالي مدينة حيفا المحتلة لتدعو أهلها إلى الانتفاض بكل قوة ضد المحتل وقرار نقل السفارة ومن جهتها رحبت اللجان الوطنية بمدينة حيفا هذا القرار وردت بتسميتها من طرفها "من حيفا.. إلى غزة" تنديداً بالمجازر التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي على حدود غزة.

حيث إن هذه التسميات الكثيرة جمعت بين عاملين رئيسيين:

بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المهلكة التي يعايشها قطاع غزة ومع الاستفزازات العسكرية المتواصلة من قبل الجيش الإسرائيلي يبدو ان قطاع غزة قد أكمل شوطه الأخير نحو المصير المحتوم

أولاً: كسب ثقة الجمهور بأهداف المسيرة.

ثانياً: استقطاب الداخل الفلسطيني لشرارة التمرد والثورة على المحتل.

فمسيرة العودة هي أيقونة شعبية سلمية هادفة مؤثرة وغير ثابتة في ذات الوقت، إذ تطرح المعادلة الجديدة تبعاً للمتغيرات من حولها. ومن التجمهر براً للتجمهر بحراً شقت لجان العودة وكسر الحصار طريقها وفتحت نافذة البحر كخيار وحدث رئيس يجب استغلاله والتركيز عليه، فمن غزة انطلقت سفن كسر الحصار لتتخطى الذل والقهر حاملة معها الذكريات والآلام طوال هذه الأعوام الجافة المليئة بالأجواء المشحونة والتوترات، وكالعادة حالت البحرية الإسرائيلية دون وصولهم أو تحقيق أهدافهم إذ قامت أربع زوارق بحرية حربية بمحاصرتهم وسحبهم نحو ميناء اسدود في الداخل المحتل للتحقيق معهم، والذي ما زال يعطي صورة واضح لتعنت الاحتلال وإصراره على رفض إغاثة قطاع غزة بكل السبل الممكنة.

قطاعُ غزة فوهة بركان شارف على الانفجار

بعيداً عن الأزمة الاقتصادية المهلكة التي يعايشها قطاع غزة ومع الاستفزازات العسكرية المتواصلة من قبل الجيش الإسرائيلي يبدو ان قطاع غزة قد أكمل شوطه الأخير نحو المصير المحتوم فإما وقف الاستفزازات وفك الحصار كاملاً وإما التصعيد، والتصعيد هنا لا يعني بالضرورة التصعيد العسكري كمفهوم مقيد، فمسيرة العودة تصعيد والتلويح باستخدام القوة أيضاً تصعيد، حيثُ فيما يبدو أن المقاومة في غزة قد اتخذت قرارات صارمة لكبح الجموح الإسرائيلي ووضعت خطوط عريضة من خلال فض قواعد الاشتباك وتغير مسار اللعبة، فاليوم تقول المقاومة بأن الدم قد أصبح بالدم والصواريخُ بالصواريخ والبادي أظلم !، وإسرائيل لم تتوقع ردة الفعل الأخيرة منذ انتهاء أخر عدوان عام 2014، وكأن المقاومة قد صفعت الاحتلال الإسرائيلي في هذا الشوط لتنتهي المباراة حتى هذه اللحظة بنتيجة واحد لصالح المقاومة مقابل صفر لصالح الاحتلال.

تدفعنا التساؤلات عن توقيت هذه السياسة الأخيرة ولماذا لم ترد المقاومة طيلة الفترة السابقة بذات الأسلوب وهل يعني هذا بأن أحداث مسيرة العودة يوم الجمعة المقبل ستقابل برد عنيف من المقاومة إذا ما قام الأخير باستخدام القوة المفرطة تجاه المتظاهرين السلميين على حدود قطاع غزة؟

في الحقيقة إن بيان كلاً من حركتي الجهاد الإسلامي وحركة حماس كان واضحاً وشفافاً وفيه نستخلص بأن فاتورة الدم ستقابل بذات الأسلوب، ويمكن القول بأن القيادة السياسية والعسكرية للاحتلال الإسرائيلي ستفكر بدل المرة ألف قبل تهورها بضرب أي هدف في قطاع غزة بعد اليوم خصوصاً بعد وابل الصواريخ والقذائف التي امطرتها المقاومة على المستوطنات المحاذية لقطاع غزة والرعب الذي عايشه أهالي تلك المستوطنات من هذه الرشقات الصاروخية التي أسست لواقع جديد من الصراع مع المحتل.

إسرائيل وسياسة الرد عائق يجب تخطيه

تبحث قيادة الجيش الأن عن مخرج لتعديل نتيجة هذه اللعبة، فالتعادل بالنسبة لها كافٍ ولا تطمع بالانتصار، فالانتصار سيكلفها فاتورة حرب طاحنة عليها تخطيها، أما التعادل فهو أسلم وأسهل، فكيف تعادل إسرائيل هذه النتيجة في ظل الحديث عن تهدئة طويلة الأمد مع الاحتلال وفق اتفاق 2014؟، لربما الحديث عن تهدئة في هذا التوقيت يتخللها وقف لإطلاق النار من قبل الجانبين تبدو صعبة نوعاً ما في ظل التوتر الذي يفرضه الميدان على جميع الأطراف، وأيضاً لسبب أهم ألا وهو حالة التشعب التي تعانيه القيادة السياسية الإسرائيلية في اتخاذ قرار واضح بهذا الشأن، وكأنها تبحث عن التعادل في الوقت الضائع باستغلال أي حدث في الفترة المقبلة لتوجيه ضربة محدودة أو حتى عبر زيادة الحصار أكثر على غزة.

لا يمكن لأحد أن ينسى هيئة هذه الإنسانة ولا صوتها، لا يوجد بيت بقطاع غزة لا يمكنه التعرف على مذيعة قناة الجزيرة المتألقة غادة عويس التي أثارت بقوة صوتها حقوق الفلسطينيين

وفيما يتعلق بطبيعة الرد العسكري الواسع أستبعدها كلياً في هذه الفترة ولكن ذلك لا ينفي لوجودها مفهوم، إذ يمكن القول بأنه نعم كلاً من المقاومة في غزة وإسرائيل لا نية لديهم بالتصعيد العسكري وهو ما بات واضحاً في سياسة كل منهما في التوتر الأخير عندما شاهدنا المناطق التي قصفتها المقاومة ونوعية الصواريخ التي أطلقت، حيث وجدنا بأنها كانت صغيرة نسبياً ومحدودة المسافة ولم تتخطى مدى أكثر من 30 كيلومتر داخل الأراضي المحتلة، وكأنها رسالة تعني إذا ما تهورتم قصفنا أكبر وزدنا!، وإسرائيلُ الأخيرة لم يتجاوز بنك أهدافها أهدافاً ثانوية متمثلة بأراضي زراعية ومواقع فارغة قصفتها مراراً وتكراراً ولم تتسع لتتجاوز أهدافاً أساسية ومركزية من الممكن أن تغير من استراتيجية المرحلة الحالية، والذي يدلل بطبيعة الحال عن محدودية الطرفان في التصعيد ومرهونيته بما يتتطلبه الميدان من أحداث.

غادة عويس مهنةُ شرف لقضيةٍ تستحق

لا يمكن لأحد أن ينسى هيئة هذه الإنسانة ولا صوتها، لا يوجد بيت في قطاع غزة لا يمكنه التعرف على مذيعة قناة الجزيرة المتألقة غادة عويس التي أثارت بقوة صوتها حقوق الفلسطينيين المنسية في ظل التخاذل والصمت العربي، شاركتنا غادة الحروب الثلاث وكانت خير من جسد المقاومة بكل صورها، بل أصبح الشارع الغزي يلقبها "بأم عبيدة" تيمناً بالناطق الشهير لكتائب القسام "أبو عبيدة"، فلا يخفى على أيٍ من المشاهدين أن يستشف من عاطفة غادة الواضحة بشكل مفرط حبها الكبير لشعب غزة وفلسطين أجمع، فهي معهم قلباً وقالباً، ولعل ما أثار نبض الشارع الغزي في اليومين السابقين هو الصفعة التي صفعتها لأفيخاي أدرعي الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، حين أحرجته ولعثمت كلماته بالحق وكشفت هزل وأسطورة الجيش الذي لا يقهر وجعلته صاغراً أمامها.

أفيخاي حاول التملص من الجدال بتعليق الإجابات على شماعة واحدة مللنا من تكرارها طيلة سنوات كثيرة، فأيقننا أخيراً بأنها سياسة الخروج من المأزق بقول إن حركة حماس الإرهابية هي من بدأت عندما قامت بفعلتها، وتناسى ما قام به جيشه بمجازر وحشية منذ عام 1948 حتى يومنا هذا، فمن داخل قطاع غزة نقول شكراً غادة عويس على كل ما قدمتيه لنا من دعم وعطاء، ونتمنى من الله أن يديم علينا وعلى كل شرفاء العروبة الخير والعافية وأن يرزقنا وإياهم النصرَ بعودة فلسطين.