الأسماء "الموضة".. موجة جديدة في الاغتراب الثقافي!

السبت 26 مايو 2018 05:19 م بتوقيت القدس المحتلة

الأسماء "الموضة".. موجة جديدة في الاغتراب الثقافي!

بقلم الكاتب والباحث الفلسطيني: معاذ محمد الحاج أحمد

تعلن بيوتنا حالة الطوارئ والاستنفار القصوى منذ شعور الأم بالحمل، أو إخبارها من خلال الفحص التلفزيوني بذلك؛ بهدف اختيار اسم للمولود الجديد يتناسب مع ما يسميه الأبوان الحضارة أو الحداثة الوافدة إلينا. تبدأ الأم بمطالعة المواقع المتخصصة على شبكة الانترنت والانضمام إلى بعض المجموعات الحوارية التي تزخر بها الشبكة للوصول الى اسم يليق بولي العهد الجديد؛ لاسيما إذا كان الضيف الذي تجري مراسم استقباله (أنثى).

وكثيرا ما تحدث بعض الاشتباكات بين الزوجين على خلفية الاسم الذي يرغب كل طرف بإطلاقه على المولود تفضي في بعض الحالات الى الخلاف والقطيعة. وهنا يبرز تساؤل مهم: هل نحن إزاء حالة من الاغتراب الثقافي واستلاب الهوية نتيجة لموجات من الغزو الفكري والثقافي والقيمي أم إنها حالة طبيعية تمر بها جميع المجتمعات ولا مجال فيها للتراجع خارج الركب ووقف عداد الزمن؟

الاغتراب في السياق الثقافي

إذا أردنا أن نعرف الاغتراب فإنه: "حالة شعورية أو غير شعورية تدفع الانسان إلى الرفض أو التمرد أو إنكار موروث أو مجموعة من الموروثات الثقافية القائمة والرغبة في الخلاص منها وتبني ثقافة جديدة في السياق المجتمعي العام". ويرى المغترب أن الحالة الثقافية الراهنة تسبب له حالة من الإزعاج ومصادرة الهوية وتعيق حركة تقدمه، لذا يلجأ إلى الانسحاب أو النأي بالنفس عن المواقف التي يرى فيها خطرا يفقده هويته الثقافية الحقيقية، فتجده في كثير من الأحيان يميل إلى العزلة والوحدة أو يبحث عن مجموعة من الأقران يشاطرونه ذات التوجهات الثقافية التي يؤمن بها، وفي حالات أخرى يحبذ السفر والانتقال إلى البلد أو السياق الثقافي الذي يعتبره نموذجا واجب الاتباع والاقتداء.

الإعلام ودوره في تغييب الهوية

تميل الكثير من الأسر للتقليد غير المتعقل والرغبة في المباهاة الجوفاء التي تحمل في طياتها حالة من العجز والإحباط وضعف الشخصية أمام المتغيرات الاجتماعية والظواهر الوافدة

يعتبر الإعلام وما يقدمه من تصوير وعرض ومونتاج ودراما مبهرة عاملا مهما في التأثير على المغترب وإعادة توجيه فكره ومعتقده الثقافي، وهنا نأخذ مثلا: المسلسلات المدبلجة - (الأمريكية والمكسيكية والتركية) وغيرها، استطاعت التلاعب بعقول الكثير من الأسر العربية والإسلامية، فترى الأم أو الأب يشعر بالعار أو التأخر الثقافي بتسمية مولودته الجديدة: (خديجة أو حبيبة أو فاطمة)، ويصر على تسميتها (اسم موضة) حتى لا ينظر المجتمع إلى البنت نظرة دونية أو تكون عرضة للاستهزاء والهمز واللمز من قبل أقرانها في المدرسة أو الجامعة.

وكثيرا ما تقوم الأسر بإطلاق أسماء أجنبية أو أعجمية على المولود الجديد لتكتشف بعد فترة من الزمن أن هذا الاسم مخالفٌ لتعاليم الدين وأحكام الثقافة السائدة في المجتمع مثل: (راما وهو اسم الاه من آلهة الهندوس ظنا منهم أن معناه أرض الحرم، مايا وهو اسم قبائل متخلفة تعيش في أمريكا الجنوبية، رينا ومعناه أن يَسْوَدَّ القلب من الذنوب والمعاصي)، وبذلك يكون الإعلام قد نجح في تمرير أجندة خفية لاشعورية والتلاعب بالكثير من أفكار ومعتقدات المشاهد ليحوله من مشاهدٍ متلقٍ إلى مغتربٍ ناقمٍ على مجتمعه رافضٍ لموروثاته الثقافية والفكرية. وتبدأ عملية الاغتراب الثقافي بقيام الإعلام بما يملكه من سطوة وقدرة على غسل الأدمغة وإفراغها من كيانها الثقافي المكتسب والمتراكم عبر سنوات الخبرة الاجتماعية، تليها موجات متتالية من الحشو والتغذية الذهنية لصالح أفكارٍ وقيمٍ جديدةٍ ووافدةٍ لا تنتمي في الغالب الى النمط الثقافي المتعارف عليه.

الاغتراب الثقافي بين ضعف الشخصية والميل للتقليد

لا يمكن حصرَ عاملٍ محددٍ يمكن القول أنه السبب المباشر الذي يقف وراء حالة الاستلاب الثقافي التي تعيشها الكثير من الأسر العربية والإسلامية، إلا أنه في رأيي يمكن تعليل هذه الظاهرة الى نزوع الكثير من الأسر للتقليد غير المتعقل والرغبة في المباهاة الجوفاء التي تحمل في طياتها حالة من العجز والإحباط وضعف الشخصية أمام المتغيرات الاجتماعية والظواهر الوافدة، وإزاء حالات الضعف والتقليد تظهر مجموعة من العوامل المصاحبة تتمثل بشعور المغترب بالدونية من النمط الثقافي القائم وأنه لا يمكنه التعايش معه خوفا على مستقبله ومستقبل عائلته، وكذلك يمكننا ربط هذه الظاهرة بمرور المغترب بتجربة قاسية أفقدته الثقة بالوسط الثقافي الذي يعيش فيه. وفي حالات غير قليلة يكون الباعث الأساسي لاستلاب الهوية والثقافة عدم فهم المغترب لبعض العادات الاجتماعية وتحميلها مجموعة من التصورات التي لا تلتقي معها روحا ومنهجا.

وضعت الشريعة الإسلامية السمحاء مجموعة من الضوابط والمحاذير التي يجب تحريها عند اختيار الأسماء لأبنائنا

الوعاء الثقافي القائم وتسمية الأبناء

يعتبر الدين أو النمط الاعتقادي السائد رافدا مهما ووعاءاً خصبا للثقافة والموروثات التي يسير عليها أبناء المجتمع، وبمقتضى هذا التماهي الكبير بين الدين والثقافة وحالات التأثير المتبادل تجد الكثير من العادات والتقاليد والقيم وأنماط السلوك التي ترفضها الثقافة لا يقرها الدين ولا يجيزها. ومن هنا وضعت الشريعة الإسلامية السمحاء مجموعة من الضوابط والمحاذير التي يجب تحريها عند اختيار الأسماء لأبنائنا، وهي في جملتها لا تخرج عن النسق الثقافي السليم المعافى الرافض للعادات الوافدة التي من شأنها تغييب الهوية الثقافية وانصهار الشخصية وسط معتقدات خارجة عن روح المجتمع الاسلامي. وفق هذه المقاربة بين الإسلام والثقافة لا يجوز تسمية أبنائنا بأسماء غير المسلمين بوصفه خروجاً عن الثقافة الإسلامية الصحيحة، أو إطلاق أسماء ممثلين أو مطربين على الأبناء تعمل على طمس هويتهم الثقافية، ودفعهم إلى وسط جديد لا ينتمون اليه اجتماعيا ولا ثقافيا ولا فكريا. ولسنا نحن بصدد عرض الأسماء المحرمة والمكروهة والمستحبة في الإسلام، أو التحريض على (الفاشينيستا) التي يدين لها الكثير منا بالطاعة والولاء، وإنما لفت النظر إلى موجات عاتية من التغييب الثقافي ما زالت ترزح تحتها الكثير من الأسر الإسلامية تحت شعار الحضارة والمدنية دون ضابط أو كابح.

كلمة أخيرة

ولوضع النقاط على الحروف لا بد من طرح التساؤل التالي: هل جميع أسماء الموضة تمثل حالة من الاستلاب الثقافي يجب تجنبها أم إننا بحاجة ماسة إلى فرز وتمحيص جميع الأنماط الثقافية قبل الاندفاع نحوها بسذاجة ورعونة؟ إن الغرض من هذه الكلمات ليس التنفير من المعتقدات الثقافية الوافدة؛ لاسيما أن هنالك الكثير من الثقافة المنقولة إلينا تلتقي شكلاً ومضموناً مع روح الثقافة الإسلامية، وإنما توجيه الأسرة المسلمة الى ضرورة وضع ثيرموميتر حقيقي يقيس درجة دفء هذه المعتقدات الوافدة وقدرتها على ترصين القيم الأصيلة أو التعايش معها على أقل تقدير حتى لا ننزلق إلى حالة معقدة من الاستعمار الثقافي تناصب جميع الموروثات الثقافية القائمة العداء والخصومة.