أيّها الرئيس.. يقيناً سندخل القدس

السبت 26 مايو 2018 05:13 م بتوقيت القدس المحتلة

أيّها الرئيس.. يقيناً سندخل القدس

بقلم الكاتب والمدون الجزائري: كدير مراد

بعيداً عن سيكولوجية الاستجداء التي ترسبت نتاج الهزائم الحضارية المتتالية التي عاشها جيل سابق بأكمله والتي يلقفهُا جيلنا، المتطلّع لمستقبل تكون فيه الريادة لأمة الإسلام رغم إكراهات الواقع التي أفرزتها أنوميا (غياب المعايير) وخضوع بعض الأنظمة العربية رغم لبسها عباءة الإسلام والدفاع عنه، وبعيدا أيضا عن التمنّيات الحالِمة والرؤى الوردية البعيدة عن روح الواقعية العاملة والمتشبثة بالشعارات الرنانة دون إرادة في التغيير أو إرادة من دون حركة وبذل وتخطيط.

بين الطائفتين ينشأ جيلٌ شبابي في غزة والقدس وفلسطين خاصة وفي العالم الإسلامي عامة، يرفض خيانة الطغاة ولا يعترف باستبدادهم ولا ينقاد للغزاة ولا يخضع لكيدهم، لا يقبل الفرجة والشلل الحركي ولا سب الظلام، شباب يصنع الفعل عبر صِناعة واقع جديدٍ على الأرض، تطمع الدول الكارهة استخدام كل مقدراتها وترسناتها العسكرية ودبابتها الثقافية والفكرية لإجهاض غايته النبيلة لاسترجاع وطنه المسلوب المنهوب وعودة أمة أجمع لمقدسها. هذا المجتمع الشبابي الجديد يُقدّم صدره عارياً ودمه جارياً في أرض الرباط على مشارف الوطن ويطلق مشروع ساريا يغرس فسائله عبر إخوانه من شباب الأقطار في نفوس المجتمعات إحياءً وتجديدا.

مشروع " يقيناً سندخل القدس"، هو مشروع البناء التراكمي دون استجداء رئيس ينطلق من معتقداته الدينية ويسعى لتطبيق نبوءات كتبها البشر في عهده القديم من الكتاب المقدس، هذه الثلة تصنع الدوافع النفسية وترسم مستقبلا بالاستناد على قاعدة اليقين القرآني وحتمية السنن الكونية والواقع الاستراتيجي السياسي والاجتماعي سريع التغيير في هذا العالم. يقينا سندخل القدس أيها الرئيس ليست سراب المحروم وقت عطشه ولا حلم المغلوب عن أمره وقت ضعفه وليست حتى تضميد للجراح النازفة، ولا حتى كذب عن النفس المخدوعة من إخوانها بل هي يقين نفسي وحتمية عقلية وضرورة تاريخية يعود فيها الحق لأهله، بشرط العمل لتحقيق اليقين والبذل لإنجاز الحتمية والتضحية للوصول للغاية.

لقرآن الكريم ليس وثيقة تاريخية رغم أن النص القرآني كان يتفاعل مع أحداث متحركة ويتنزل على أمة حية عاملة بل دستور الحياة البشرية إلى يوم القيامة

ذكرت في مقالي السابق "حتى لا تكون نكبة أخرى.. واجبنا الحالي اتجاه فلسطين"نبذة من الميكانيزمات السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية الموصلة لبوابات بيت المقدس والمؤدية لاسترجاع شرف سيادة المدينة المقدسة.

في تدوينتنا هذه أردنا خلق الدوافع النفسية المعتمدة على قواعد صلبة واقعية للتأكيد على حتمية رجوع الأمة الإسلامية لسيادة القبلة الأولى من منطلقات ثلاث: النص القرآني والاستشرافات المستقبلية والبشائر المجتمعية وهذا منهج قرآني لصناعة جيل النصر المنشود لقوله تعالى في سورة الإسراء "إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ" وسيرا على خطة رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستراتيجية لفتح بيت المقدس، الذي مع الحركية المتراكمة في التربية والسياسة والمعرفة والربط العسكري كان يبشر الصحابة بالفتح ويوقف لساكنة أراضي فلسطين والشام من الصحابة الصادقين العاملين . بل كانت أول الأوقاف في الإسلام أرض الخليل أوقفها لتميم بن أوس الداري رضي الله عنه.

نشرع في تبيين الملامح ونثر البشائر انطلاقا من:

1- اليقين القرآني: القرآن الكريم ليس وثيقة تاريخية رغم أن النص القرآني كان يتفاعل مع أحداث متحركة ويتنزل على أمة حية عاملة بل دستور الحياة البشرية إلى يوم القيامة فيع من سنن السابقين وخبر الحاضر وإعجاز المستقبل ونبوءاته. يخبرنا الله عز وجل عن وعدي الإفساد لبني إسرائيل وعن وعد الآخرة (العرب لا تستخدم كلمة ثاني إلا إن كان ثالث فالوعد هنا ليس وعد يوم القيامة بل الوعد الثاني) ومراحل فتح بيت المقدس الثلاث في الآيات الأولى من سورة الإسراء. يأتي الوعد الرباني كنتيجة حتمية طبيعية للعلو الثاني، العلو الذي نعيش مفاصله في وقتنا مقترنا بالفساد السياسي والاقتصادي والأخلاقي مرتبطا بطاقة استعلائية عجيبة من طرف اليهود وحلفائهم بقيادة ترامب، فيذكر لنا القرآن الكريم أن هذا العلو هو دلالة على بداية النهاية لذلك الفساد وانطلاق عودة الكرة للإسلام للشهود الحضاري ودخول المسجد الأقصى وهو إشارة لقرب ولوج قرن جديد خالي من براكن الفساد والسيطرة والعلو.

فتكون أيها الرئيس محاولتك للاستعلاء على العالم والعلو على أمة الإسلام -من خلال استغلال ضعفها المنتج من طغاته من المسلوبين حضاريا- العالم الذي اتفق على رفض نقل سفارتك لعاصمة الأمة الإسلامية ومنطلق إمامتها هو بداية تحقق البشارة القرآنية لفتح المسجد الأقصى عبر مشروع -حركة وبذل وتضحية- في ثلاث مراحل يقوده "عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ":

العلو فهو بمقتضى السلطان أو الملك أو الكيان مثل قوله تعالى "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ" وهو الشرط في تحقق الوعدين، فلا استعلاء بدون سلطة متحكمة باغية

أ- "لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ" إن كانت عقوبة الفساد الأول الجلاء "فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ" فعقوبة الفساد الثاني الإذلال وانكشاف قناع الفساد والطغيان أمام العالمين، وقد رأينا كيف أن أدوات إساءة الوجه الصهيوني والكشف عن حقيقته القبيحة من خلال سواء أمة الإسلام ورجالها ثقافيا وعسكريا أو من خلال خسران الكيان الصهيوني للمعركة الديبلوماسية وتحجم مكانته الدولية وانحسارها نتاج الجرائم القبيحة التي أظهرها الإعلام الجديد. فنرى الإساءة ابدأت منذ فشله ولمدة ثلاث حروب دخول رقعة جغرافية هي الوحيدة المحررة من أرض فلسطين ونبصرها متلخصة أيضا بتزعزع الكيان بعد انتفاضة فتيان بين 14 إلى ال20 بعد محاولة فرض التقسيم الزمني والمكاني في انتفاضة القدس.

ب- "وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ" ويكتب الله أن تكون المرحلة الثانية الوسط هي الدخول للمسجد الأقصى فهي بالنسبة القلب للمراحل الثلاث وتأكيد أن على يقينية الحدث يجب أن يسبقه عمل يقود إليه وأن هذا الدخول العظيم يكون بنفس الطريقة والمنهجية، ومن نفس الجغرافية التي منها دخل الأولون وقت الفتح الأول، نتاج استراتيجية نبوية محكمة، فيكفي السير على خطاها ليتحقق المبتغى والغاية، وهي هذه الٱية المكية التي كانت بشارة في كتاب لاريب فيه وقت الاستضعاف المكي للمجتمع الأول، فهي للتأكيد النفسي والحث العملي لتحقيق هذا اليقين الباقي والهدف المتجدد.

ج- "وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا". والمرحلة الثالثة الموالية لسابقتها والناتجة عنها وبل المرافقة للمرحتلين السابقتين هي التتبير، وهو لغة التدمير، أما العلو فهو بمقتضى السلطان أو الملك أو الكيان مثل قوله تعالى "إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ" وهو الشرط في تحقق الوعدين، فلا استعلاء بدون سلطة متحكمة باغية، فيكون مقتضى الآية هو تدمير الكيان تدميرا نهائيا وهذا ما يؤمن به حتى اليهود، ما جعل عقدة نفسية اتسمت بها كل حركاته وسكناتهم وهي عقدة البقاء.

تجول بنا الخواطر في سياحة بديعة في روائع بيان القرآن ووصفه الدقيق لجملة السنن الحاكمة لقيام الدول والأمم وزوالها، خاصة تلك المبنية على ركام الظلم والاستعلاء والاستضعاف وتقسيم الشعوب، فلولا الخوف من الإطالة لاسترسلت ولكنها إكراهات الكتابة والتدوين!

سنتكلم في قادم المقالات عن الركن الثاني من البشائر المجتمعية المتوسمة في حركية تشكل الأمة الإسلامية من صميم الواقع المعاش الذي يؤكد على عودتنا للقدس، وونحلل جملة الدراسات الاستشرافية الجيوسياسية المؤكدة على زوال هذا الكيان الغاصب وانقطاع حاضنته المحافظة على وجوده!