إغلاق باب الاجتهاد في أفكار العالم

السبت 19 مايو 2018 06:16 م بتوقيت القدس المحتلة

يجلدون ظهور أمّتهم بسياط النقد اللاذع، ويرفعون مقولات المراجعات، دون أن يجرؤوا على مجرد التفكير باستعمالها مع أفكار العالم ذات السطوة المعنوية، فعلى الذات أن تتغيّر هي دون مناقشة غيرها. يتلاعب هؤلاء بنفسيات القابعين في المقطورة الأخيرة، الذين عليهم تلقّف المعايير من غيرهم دون إعادة تفكير في منطقهم أو السعي لاشتقاق خيارات بديلة.

المكوث في مقاعد التلاميذ

ينهمك بعضهم في رفع لواء المراجعات الفكرية، والمطالبة بفتح باب الاجتهاد الحرّ في العلوم الإسلامية -وكأنه موصد أساسا- ثم يتّضح أنهم أسرى عقلية أحكمت إغلاق باب الاجتهاد في أفكار العالم والفلسفات الإنسانية؛ التي يجعلونها أصلا مرجعيا ثابتا لا يقبلون معها تحويلا ولا يرضون لها تبديلا، أو لا يتوقّعون ذلك بحقها، أو لا يتصوّرون أحقيتهم بالمهمة أساسا، وكأنّ العالم بلغ محطته الأخيرة وأعلن نهاية التاريخ التي تفرض على الجميع اللحاق الحتمي بها أو الخروج من المشهد.

وإن تحدّث أحدهم عن "المراجعات" الفكرية أو الدينية؛ فقد بات من المفهوم ضمنا أنها تقتصر غالبا على ما يُحسَب على "الذات"، أما التجديد والإصلاح في هذا السياق فيتعلّقان بالذات عينها على الأرجح دون اجتراء على تحرير الأذهان من الأقفاص المتقادمة لتنفتح على آفاق الاشتغال الأوسع المطلوبة لمساعي النقد والمراجعة والتجديد والإصلاح في آفاق عالمية متغيرة. وسيُقال على الملأ: من نحن حتى نفعل؟ وماذا بوسعنا أن نقدِّم؟ وماذا ستخسر البشرية إن انتهينا عن آخرنا؟

حصر النقد في "الذات" وما يُلازمه من عدم الاجتراء على نقد أفكار العالم وتمحيص مذاهبه ومراجعة فلسفاته وإصلاح مقارباته؛ قد يشي بإحساس بدونية حضارية، وبتعبير عن نزعة جلد للذات واستلاب للآخر

يقتضي النهوض الفكري مفارقة خطاب تحقير الذات؛ دون الوقوع في قبضة تمجيدها وتضخيمها وتحصينها من النقد. يتطلّب ذلك استعدادا لممارسة النقد وإثارة الأسئلة، ولا غنى في هذا السبيل عن مساءلة أفكار العالم باقتدار وجرأة، وفحص الرؤى المتعددة المتفاعلة فيه، مع السعي إلى مراجعتها والمشاركة في تشكيلها المتجدد. وإن لم تتلازم المراجعات النقدية الذاتية مع مراجعات نقدية لما يتفاعل في سياقات العالَم أيضا؛ فإنها قد تكون من أعراض الاستلاب وجلد الذات وربما الرضوخ لحرب الأفكار المستعرة.

وإن انتفت القدرة على طرح الأسئلة بروح اقتدار في عالمنا؛ فإنها مدعاة للاستئناس بالمكوث في مقاعد التلاميذ بانتظار أسئلة تُطرَح علينا فنجيب بانضباط وأدب جمّ؛ على أمل الحصول على علامة امتياز ممن يوزِّعها حسب معاييره؛ في عالم لا تتكافأ فيه الأمم. وعلى خطاباتنا الفكرية والدينية في هذه الحالة أن تعيد تكييف ذاتها أوّلا بأوّل لتنسجم مع مقولات المركز الغربي، ولن نعجز عن شرعنتها تلفيقيا بحيل التأويل المشفوعة بتعامل انتقائي مع آيات وأحاديث، ثم نقوم بتعديلها بمجرد هبوط النسخة الجديدة المعولمة أو تحديثاتها المتلاحقة.

لا سبيل إلى مناقشة رصينة في عالم واحد دون تجريد أذهاننا من قوالبها الراسخة وأحكامها المسبقة، مع التحرّر من نفسية القابعين في المقطورة الأخيرة، الخاضعين في نظرتهم الى العالم والأشياء لمعايير غيرهم الذين يُحسَب أنهم يقودون القاطرة، فيكون تقدّمنا المزعوم، إن تحقق، نسخةً مقلّدة وحالةً ملفّقة، لا تجرؤ على المناقشة أو استعمال النقد أو المصارحة بمكامن الخلل، وقد تُقاس بمقدار تنصّلها من "الذات" أساسا.

نقد النقد

ينبغي فحص جدارة "المراجعات" التي تعلو ودعاوى "النقد" التي تُسمَع، لتخليصها مما يتلبّس لبوسهما بينما قد يكون بعضها في جوهره انعكاسا لنظرة تنصُّل من "الذات" وفقدان ثقة بها تحت وطأة لحظة تاريخية ضاغطة. ومن أمارات هذه الحالة؛ نزوع جارف إلى التقمّص الساذج لما تطوّر في بيئات أخرى مع حمل معاول التحطيم الذاتي، فيغدو المسعى تقويضا ونقضا لا مراجعة ونقدا.

إنّ حصر النقد في "الذات" وما يُلازمه من عدم الاجتراء على نقد أفكار العالم وتمحيص مذاهبه ومراجعة فلسفاته وإصلاح مقارباته؛ قد يشي بإحساس بدونية حضارية، وبتعبير عن نزعة جلد للذات واستلاب للآخر، ولا بدّ لهذا "الآخر" النموذج أن يكون "غربيا" كالمعتاد. ينبغي الإقدام على "نقد النقد" و"مراجعة المراجعات" بهدف الفحص والتحقق وفرز الغثّ من السمين، وهو ما يقتضي نقد الفكرة الناقدة، واختبار منطقها الذي تستعمله. ومن الوفاء للفكرة الجريئة في النقد والجسورة في المراجعة أن يُبدَأ بها نقداً وتشريحاً؛ وأن تُباشَر مراجعتُها بلا تلكّؤ. حريّ بنا أن نستعمل مع المقولة الناقدة ما توصينا هي باستعماله مع غيرها؛ حتى نتبيّن متانتها ونتحقّق من تماسُك منطقها وجدارتها بالأخذ.

ناقدون متحررون من النقد

يمنحك بعض رافعي لواء النقد والمراجعة انطباعا بأنهم ماضون إلى تأسيس جديد في المسائل جميعا، لكنهم يكتفون بالتقويض غالبا وإحداث فراغات كبرى في وعي جمهورهم. وإن سألتَ عن بحوثهم ودراساتهم المسطورة وكتبهم ورسائلهم المنشورة في المسألة وسواها؛ فقد لا تعثر على شيء من ذلك أبدا، بما يعيق محاولاتك لمراجعة أقوالهم وتمحيص مزاعمهم وتقدير منهجياتهم؛ وهم الذين يتحصّنون بشظايا الإطلالات المرئية المنثورة في الشاشات والشبكات والمتحررة من النقد العلمي والفحص المنهجي والمراجعة الرصينة. يسعى أصحاب هذه الإطلالات في مسالك الشاشات والشبكات والمقاطع لاستقطاب الجماهير واستمالتها، أو ينزع بعضهم إلى تمذهُب جديد بالدوران حول أنفسهم؛ فيأخذون بالناس كلّ مأخذ؛ حتى تسيل أودية الحيْرة بقدرها دون إرشادات منهجية.

إنها حقبة "ما بعد العلم"، وفيها تتوجّه طائفة من المتحدثين من ذوي الوجوه النضرة والأداء المسرحي إلى الجمهور مباشرة بأقوال تزعم أنها علمية أو تخصصية في حقول متعددة؛ دون تمليك الجمهور أدوات تمحيصها ومفاتيح التحقق من الفحوى والتثبّت من المزاعم، فهم يُخاطِبون الناس في عمومهم مع الحرص على تجاوز المجتمع العلمي بمنهجياته ونظمه وأصول اشتغاله.

مساءلة أفكار العالم

تبقى مساءلة أفكار العالم وفلسفاته مدخلا لتنشيط السعي الجادّ إلى إنضاج رؤى ومقاربات متجددة، تستجيب للقضايا والشواغل والتحديات على المستويات الإنسانية بروح المبادرة والاقتدار. ولن يتأتّى هذا المسعى دون تنمية الوعي بالدور الواثق بالذات، الفردية والجمعية، واختياراتها الحضارية في فضاء عالمي لم يبلغ نهاية التاريخ.

وعوضا عن الانشغال بهزّ ثقة الأجيال بذاتها الحضارية وزرع بذور الشك بذاتها؛ ينبغي تمليكها روح الأخذ والردّ على بصيرة، بما تقتضيه من تنمية القدرة على التمحيص والحسّ النقدي الواعي إزاء اتجاهات الحاضر والمستقبل. سيجري، بدون هذا، سدّ سبُل التأهّل للمشاركة التفاعلية في المجال التداولي الإنساني؛ المأمولة بروح الانفتاح والتكافؤ والإصلاح والترشيد والتراكم الحضاري.

يقتضي مسعى النهوض الفكاكَ من عقد مزمنة، منها ثنائية "نحن والغرب" التي ألقت بظلالها على مقاربات ومحاولات إصلاحية عبر قرنين من الزمن. ومن المهم التحرر من وَهْم ضمني يفترض أنّ أي مسار إبداعي يكتسب مشروعيته من سابق تجربة أوروبية أو غربية تكون هي مرجعية القياس والمقارنة؛ بل ينبغي التفكير خارج القفص الذهني الغربي دون تجاهل التجارب والمكتسبات من أي بيئة كانت؛ بما فيها أوروبا و"الغرب" عموما. ولا ريب أنّ الانعتاق من القفص والنظر إلى التجارب من خارجه هما من شروط النهوض الفكري والانطلاق الإصلاحي على رشد وبصيرة. والفارق واضح بين خطاب نمطي قاصر يتذرّع بما يسميه "اللحاق بالعصر"؛ وخطاب منفتح يروم المشاركة في تشكيل الحاضر والمستقبل في عالم واحد.

رفع منسوب التوقعات الفكرية من الأجيال الجديدة مرتهن لانعتاقها من منطق طابور الصباح وتحية العَلَم اليومية الرتيبة وعقلية الرضوخ لتقاليد مدرسية بالية تتكرّس بلا مبرِّر

ولا يصحّ، منهجيا، الانكباب على عقد المقارنات مع النتاج النهائي لتجارب الأمم الأخرى دون استحضار خصائص بيئاتها وسياقات تطوّرها واستحضار مقدِّماتها وتقدير مآلاتها. يحقّ لهذه المقارنات أن تقرع الوعي وتلفت الانتباه، لكنّ إدراك التجارب الأخرى على بصيرة ينبغي أن يتعدّى نتاجها وثمراتها؛ إلى تشخيص مخاضاتها وتصنيف شروطها، والوعيِ بظرفيّاتها وملابساتها، واستشراف تفاعلاتها ومآلاتها، وهو بمثابة النظرة العمودية التي لا تقف عند حدود الانشغال الأفقي الذي يستهويه الانبهار.

ومن مسالك التلفيق أن يقع التوجّه إلى الاستنساخ الأعمى والنقل الجاهز بما يرسِّخ التبعية؛ مع العجز عن التكيّف والتجدّد والإبداع واجتراح مسارات مستقلة عن النموذج المرجعي "الغربي". إنّ النقل الجاهز لجامعات غربية إلى بيئات عربية، بجاذبية المال الوفير، هو من تجارب التلفيق التي لا تستعدّ حتى للتسليم بمقولات مركزية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان تتبنّاها تلك الجامعات ذاتها في بيئاتها الأصلية؛ فتكون فروع "السوربون" مطلوبة بحرص شديد؛ لكن مع الاحتراس من أفكار الثورة الفرنسية التي يقوم عليها.

إنّ فهم خلفيات التجارب التي تُعَدّ ناجحة وتشخيص شروطها وإدراك ملابساتها يُعين على الاستفادة منها واستلهام العبر والعظات وإدراك فرص الإصلاح والتطوير التي تحتاجها، ولن يتأتى هذا كلّه في حضرة انبهار يخلب النظر ويعطِّل الاشتغال النقدي ويقصره على "الذات". يوصد الانبهارُ البابَ بإحكام في وجه الأخذ بثقة والردّ باقتدار، لصالح حالة من التقمّص الساذج والمحاكاة الجوفاء تتنازل عن التفاكر والتثاقف والتبادل والاجتراح الإبداعي والمشاركة الحضارية.

أقفاص الذهن وحظائر الوعي

ثمة مسؤوليات متعددة في هذا المسعى الإصلاحي، منها إشعار الأفراد والمكوِّنات والمجتمعات بكرامتها الإنسانية، وبقدراتها الكامنة، وبالمسؤوليات الإصلاحية المرجوّة منها في المستويات جميعا. ومن الوهم، بالتالي، توقّع الانبعاث العلمي والفكري والحضاري من القمقم عبر طقوس التعليم النظامية السائدة التي استحالت في كثير منها مصانع شهادات وشرطا لتوزيع امتيازات مجتمعية وقناطر لضبط الأجيال، مع حشو رؤوسها وتجهيزها للعبور إلى حظائر الخضوع التي تديرها نُظُم مستعصية على الإصلاح. لا غنى في هذا المقام عن استحضار تشابُك مسارات الإصلاح والنهوض، فما الذي يُرجَى من مُخرَجات تعليمية وتثقيفية لجيل ينشأ في ظل زعامة طائشة ودعاية صنمية مكرّسة لتعظيم قائد محدود الذكاء؟

إنّ رفع منسوب التوقعات الفكرية من الأجيال الجديدة مرتهن لانعتاقها من منطق طابور الصباح وتحية العَلَم اليومية الرتيبة وعقلية الرضوخ لتقاليد مدرسية بالية تتكرّس بلا مبرِّر؛ كما يتضح في هوَس امتحانات الشهادة الثانوية العامة (التوجيهي، البكالوريا). يمنح هذا الهوس الجمعي وعيا زائفا ببلوغ منسوب متراكم من النموّ المعرفي والنهوض الثقافي والتفاعل الفكري؛ ضمن أجيال من حفظة المقررات الهشة المفروضة بالسطوة الرمزية.

ينبغي تحرير الأجيال من أقفاص ذهنية تحجبها عن إصلاح واقعها المباشر أو محاولة الاجتهاد ضمن أفكار العالم، وبديل ذلك أن تواصل الاستئناس باللحاق المستمر بنموذج مهيْمن على الوعي، مع مواصلة رفع الشعارات الجوفاء التي تُفضي إلى خيبة متجددة في نهاية المطاف.