لم يبق عندي ما أقوله..

السبت 19 مايو 2018 06:12 م بتوقيت القدس المحتلة

لم يبق عندي ما أقوله، كل شيء بي أعلن الحداد، تنطفئ الحياة بداخلي يوما بعد آخر، أشعر بأنني بعيدة عن كل الأشياء التي سبق أن أحببتها، وقريبة من شيء واحد فقط، الوطن. أحاول أن أجد نفسي فيه وأكتشف ذاتي من خلاله، أن أتجنب الأسئلة التي تعذبني، هل يحبني كما أحبه؟ برب السماء ماذا فعلت أنا؟ ماذا قدمت لأجله؟ إن كل الأثمان التي دفعناها لا تعادل قطرة دم نزفت من شهيد. لكن الموت لم يعد مقتصرا على الفناء، إننا نموت كل يوم، من عجزنا، من إحساسنا العالي، من خيباتنا المتتالية. إن كل مسخ فينا يدفع ثمن وجوده في الحياة بطريقة ما وفي مكان ما.

لم يبق عندي ما أقوله، ابحثوا عن شخص آخر يجيد الحديث أكثر مني، هكذا يكون ردي على الزملاء الصحفيين الذين يطلبون مني الخروج على شاشات التلفاز لأتحدث وأعلق على المجازر التي تحدث في فلسطين. يَعدونني متحدثة جيدة لكنني أرى أنني فاشلة في الحديث عن الموت الرطب، الموت الذي لم تجف آثاره عن الأرض التي احترقت من القنابل والحرب، لا أستطيع أن أقول لكم إنني عاجزة، لا أستطيع أن أغمض عينيّ وأبدأ بالحديث السياسي المجرد الذي يخلو من العاطفة، إن أغمضت عينيَّ فسأبدأ بقول أشياء لن يرغب أحد في سماعها.

كنتُ أؤمن بضرورة أن يكون لدينا متحدثون بارعون يدافعون عن قضيتنا عبر الإعلام؛ لأننا نعيش في زمن تتصدر فيه التكلونوجيا ووسائل الإعلام التقليدي والاجتماعي المشهد، وتؤثر بشكل كبير، وما زلت أؤمن، لكن هذا الإيمان لا يعني عدم استخفافي بكل تلك الأشياء بيني وبين نفسي، سواء كنتُ أنا المتحدثة أم غيري، لا يعني أنني بعد كل لقاء ناجح "معي أو مع غيري" أبتسم ابتسامة ساخرة وأقول "حياة بنت كلب، مفكرين حالنا رح نحرر الوطن بالحكي".

الحرية هي القيود التي ترسمها لنفسك، كلما فرضتَ على نفسك قيودا أكثر، تحررت من الخطأ ومن أشياء كثيرة، إن قمع رغبتك في الظهور هي أول حرية تحصل عليها

إنني أكره نفسي بعد كل لقاء، وأفقد احترامي لها، وهذا كل ما أملكه ولا أريد أن أفقده في الإستديوهات المكيفة، ياااااه كم هو سخيف أن تتحدث عن حربك بأريحية المحلل وطلاقة المراسل؟!

في الحروب لا وقت للحديث، يجب أن تفعل شيئا ما، لا أدري ما هو، لكن عليكَ أن تفعل، وإلا فسنظل نسقط إلى القعر في الوقت الذي يرتقي فيه الشهداء، وسنعتاد الخراب حتى "إن غضبنا هشتغنا" وصرنا نتحدث بفخر عن إنجازنا العظيم في أن هذا الهاشتاغ يتصدر قائمة الأكثر تداولا عالميا. يااااه ما أحقرنا!! نفتخر بانتصارنا عبر العالم الافتراضي في الوقت الذي نعجز فيه عن تقديم شيء في العالم الواقعي لكل من ماتوا ومن يموتون الآن، ثم نخرج للإعلام لنصنع أسماءنا وشهرتنا ونجوميتنا على حسابهم، وكلما تفوقنا بالحديث لمعنا أكثر، وانطفأت أشياء كثيرة فيهم، من بينها الحياة، حياتهم.

إن لم نعثر على شيء ينقذنا من عجزنا، فلينقذنا صمتنا على الأقل، لا أحد يعلم كم يكلفك أن تظل صلبا قوياً، لا أحد يسمع الانهيارات التي تحدث في داخلك، متى تبدأ ومتى تنام، ومتى تحرقك وتتركك رمادا مبعثرا على الأرصفة، تستطيع أي نسمة هواء نسفك.

لقد فقدتُ قدرتي على البوح، رغبتي في قول أي شيء يحزنني أو يغضبني. إنك تصل إلى مرحلة لا تريد فيها الانتصار على أحد ولا على نفسك، سيروقُكَ أن تكون مهزوما تنظر إلى معارك الآخرين بسخرية مُفرطة وأنتَ تعلم أنكَ ستترك لهم مكانك يوما ما ليجلسوا فيه ويسخروا من عبثية الأشياء التي كانوا يقاتلون من أجلها. إنني حزينة وكئيبة وتعيسة وساخطة على كل شيء، وفي طريقي نحو التخلي عن كل شيء، بما فيه مهنة الصحافة التي لطالما كانت بلواي الجميلة، حين اخترتها كنت على قناعة تامة بأنها أقصر طريق للوصول إلى الحقيقة، وأن ثمة خطأ يرتكبه الصحافي حين يخرج من نصوصه بريئا غير متهم بوطن، المهنة التي تستطيع أن تقول من خلالها كلمة حق وتقاتل بها الظلم وتصل إلى البسطاء والفقراء من الناس وتحصل على دعوات كثيرة منهم، وسعادة لن تحصل عليها في مكان آخر، ستكتشف أن اللذة ليست فقط في العشق أو ممارسة الحب، إن لها طعما آخر مختلفا حين تعطي ممّا تفقده، ذلك أنني ما زلتُ على قناعة بأن فاقد الشيء يعطيه وببذخ، كما أنا الآن فاقدة لكل الأشياء التي أمنحها.

ربما نحن بحاجة إلى ولادة جديدة، نحتاج إلى أن نعترف بهزيمتنا، أن نتقبلها كما لو أنها انتصار، أن نعيش في عزلة بعيدا عن كل شيء، يستطيع الإنسان أن يعيش وحيدا لمدة طويلة، ستكون فترة صعبة عليه، لكنه يستطيع، سيعاني في البداية خلال مقاومته لحاجته الطبيعية في البوح، وحاجته في الظهور والتألق ومدح الناس والبحث عن نفسه في عيون الآخرين، لكنه وما أن يبدأ بقمع كل تلك الأشياء فيه، ما أن يعطي نفسه فرصة عيش حياته وحده دون حاجته إلى نقل تجربته إلى الآخرين أو إظهارها من أجل إخبارهم أنه يقوم بكذا وكذا، حتى يبدأ بالتحرر، لاحقا لن يتحمل وجود أشخاص معه لساعات متواصلة، سيشتاق إلى وحدته بعد كل لقاء قصير، إنني حقا لا أعي كيف يقضي المرء يومه مع أي شخص دون رغبته في البقاء وحيدا، كيف يواصل الحديث دون أن يصمت طويلا.

إن الحرية هي القيود التي ترسمها لنفسك، كلما فرضتَ على نفسك قيودا أكثر، تحررت من الخطأ ومن أشياء كثيرة، إن قمع رغبتك في الظهور هي أول حرية تحصل عليها، فكل إنسان استخدم هذا النهج في حياته استطاع أن يكون عظيما، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اعتزل في الغار لزمن طويل، تفكر وتأمل وعاد إلى ذاته حتى خرج برسالته العظيمة لكل الأمة، وكذلك كل الشخصيات المؤثرة في تاريخ البشرية تخلت عن حياتها وانتزعت نفسها من محيطها، ثم عادت بشيء عظيم، هؤلاء يشبهون إلى حد كبير الذين استطاعوا أن يقولوا لا، بل ربما هم نتاج آخر لهم لكن بظروف مختلفة، حين تدقق في تفاصيلهم تقول: ما أعظمهم! الذين قالوا "لا" ثم استراحوا من وخز الطريق، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، كل هؤلاء بحثوا عن أنفسهم فعثروا على الوطن.

آه يا هذه الديار كم كلفنا البحث عنكِ، كم فقد بعضنا كله وكلنا بعضه في طريقنا إليك.

نكتفي بهذا القدر من الحزن.