لِمَنْ سَأَعُودُ يا أمّي!

الأحد 13 مايو 2018 11:35 ص بتوقيت القدس المحتلة

كنتُ قدْ حدَّثتُ نفسي كثيرًا خلال وجودي في السجن ألَّا أكتبَ عنه أبدًا، وأنْ أحبس في داخلي كلَّ فيضِ المشاعر والأحاسيس، كلَّ شوق وتوق، كلَّ معاناة وحرمان، كلَّ ضعف وهوان، كلَّ قوة وعزيمة، كلَّ انقطاع ووصال، كلَّ تلك التناقضات المزروعة في ذلك المكان، حيثُ آلافُ الحَكَايا، مِنْها مَا يُضْحكُ ومنْها ما يُبكي، منْها ما يَزرعُ الابتسامة على الوجه، ويسقي فيه بذرةَ الأمل لتُنْبِتَ قُوَّةً وصَبرًا جميلا، وَمِنْها مَا يَغْرِسُ الحَزَنَ عميقًا ليبدوَ جليًّا يرسُمُ مَعالم البؤس والشقاء، يَعزِفُ على وَتَرِ الأَوْجاع والآلام، بِلَحن الآهات والتمنيّات، يُمنِّي النَّفْسَ فَيَتْرُكَها بَعْد جُموح، ويُردِيها قتيلةً في غَيَابَةِ الجُبّ تنتظرُ إشراقةَ صُبْحٍ تُحْييها، وحمامةً تُرفرفُ لتطيرَ بها إلى ذلك اللقاء المُرتقب، لقاءٌ مع الحرية، وما أغلاها، فمتى اللقاء! ولكنَّني لم أتصوَّر أبدًا أنْ تُكبِّلنا تلك المشاعر حتى بعد بوابة الخروج على حاجز "الظَّاهِرْيِّة" مُحرِّرين من سجن النقب.

إنَّ فرحة الإفراج والحُريِّة لا يُضاهيها فرحة، وكأنَّها الجنَّةُ في انتظارك، بَعْد تَعَبٍ وشقاء وطول انتظار، بَعْد أن كِدْتَ تنسى أنّك تعيشُ في هذا العالم، أنْ كِدْتَ تَنْسى مَعالِمه، تشتاقُ لسماءٍ صافيةٍ بلا شَبَكٍ حديديّ يُنغِّصُ عليكَ رؤيةَ نجومِها تتلألأ، رؤيةَ قمرِها ينيرُ عَتْمةَ لَيْلِك، وحينَ تنتقلُ في "بُوسْطَة" المعاناة والقهر -حافلة سجن تنقل الأسرى، فيها زنازين فردية، ومقاعدها حديدية، يكون الأسرى فيها مُكبَّلي الأيدي والأقدام- عذابُ الأسير الأكبر، يُغريكَ منظرُ الشارع ما استطعت رؤيتَه، منظرُ السيارات، ألوانُ الحياة في الخارج، بَعْد أَنْ سُرِقَ مِنْكَ كلُّ ذلك، ولكنْ يُعوِّضكَ الله بإخوةٍ كالينابيع يَرْوُون الحياةَ أَملًا ويَسْقُونَ ثرى الأرض مِنْ عَزَمَاتِهم جَلَدًا وقُوَّة، وَكَانَ مِنْ بَيْنِهم "عبد الله"، والذي بعد ثلاث سنين قضاها في سجون الاحتلال كان في انتظاره على معبر "الظَّاهِرْيِّة" ما هو أصعبُ وأكثرُ مرارةً كالعلقم أو أشدّ.

"عبد الله" في يومِ إفراجه يفقدُ نبعَ حنانِه، لا تأتي لاستقباله مع من أَتَوْا، بل ذهبتْ إلى السَّماء سبَّاقة تحجز مقعدها في جنَّة الرحمن، تاركةً أشواقَ "عبد الله" وأحاديثه حبيسة قلبه ووجدانه

حين وَصَلَنا "عبد الله" في قسم ٢١ في سجن النقب، كانتْ بداية معرفتي به بصوتٍ نديٍّ يتلو القرآن يُبكيكَ من فَرْطِ الشَّجَن، ثمَّ عرفتُ حافظًا لكتاب الله، قارئًا نَهِمًا فتح الله عليه فُتوح العارفين، فلمْ يَكُنْ سِجْنُه انكبابًا على ذاتِه يبتغي النسيان علَّ الأيام تمرُّ سريعًا، بل كان صاحب ابتسامةٍ لا تُفارقه أبدًا، يزرعُ البشاشةَ حيثُ كان، وكانَ مِنْ حُسْنِ حظِّي أنْ زياراتِنا لعائلتينا معًا، فصحبتُه ترسمُ السعادة على وجه صاحبه لا بُدّ، كنتُ حينها أنتظرُ لقاء أُمِّي بلهفةٍ كبيرة، فأساله: هل تُشاركني الشعور؟! فقال لي: أمِّي مريضةٌ ولا تقوى على زياراتي، كم كان ذلك مُحزنًا! فمنْ يَقوى على البعاد، ومن يُطيق ألا يَلقى أُمَّه، ولكنَّ الله قدْ ألقى على قلبه الصبرَ مُحتسبًا داعيًا الله عز وجل أنْ يكونَ ذلك الصبر والاحتساب شفاءً لها، وكانَ يُسرِّي عنهُ اقترابُ موعد الإفراج، ليُخبرَها عَنْ كُلِّ ما أنجزه وحقَّقه وما صار إليه كما تتمنى هي له أنْ يكون، وكم كان يُسعدني أننّا كذلك تشاركنا ذات تاريخ الإفراج وأنّنا سنبقى معًا في الأسر والحُريّة.

عَوَّدَنا السجنُ أنْ يَحْرِمَنا الكثير، أنْ يُباعدَ بيننا وبين طموحاتِنا، بيننا وبين أشواقنا، بيننا وبين أحلامنا، ففرَّق الأسرُ بين والدةٍ وطفلها، وفرَّق بين أُمٍّ وابنتها، بين زوج وزوجته، بين والدٍ وولده، وبين خاطب ومخطوبته، يحولُ بيننا وبينهم ذلك الزجاج الذي يحرمُنا من احتضانهم إلا باستيفاء شروط صعبة جدا، والحصول على تصريح لذلك، حتى إنَّ أحد الأسرى بعد أنْ احتضن زوجته -على استحياء- أمام السجّانين خرج يذرف دموعه لشدَّة اشتياقه لها، يريد أنْ يُقبِّلها، أنْ يَضمَّها إليه ضمًّا شديدًا، ويعانقَها عناقًا حارًّا، ولكنّه يأبى مُكرهًا فلا خصوصية ولا خلوة، فرَّق السجنُ بيننا وبين موعد التخرج، ليتأجلّ مرةً أخرى لعام قادم، ولكنَّه بعد الإفراج تجبَّرْ وطغى ليواصل إمْعانه بالألم، ليَكلِّمَنا قَدْرَ استطاعته، لِنظَلَّ حَبيسيهِ في أشدِّ لحظاتنا فرَحًا.

"عبد الله" في يومِ إفراجه يفقدُ نبعَ حنانِه، لا تأتي لاستقباله مع من أَتَوْا، بل ذهبتْ إلى السَّماء سبَّاقة تحجز مقعدها في جنَّة الرحمن، تاركةً أشواقَ "عبد الله" وأحاديثه الكثيرة التي يرغبُ في الإفصاح عنها لها حبيسة قلبه ووجدانه، ذلك اللقاء الذي كان ينتظرُه من ثلاث سنين، يَعُدُّ أيَّامَه وساعاتِه ودقائقَه، ليطوْلَ مرَّةً أُخرى، في يوم الإفراج تُقامُ الأفراح وتتهلل الوجوه ببشريات اللقاء، ويهزج الناسُ فرحًا، ولكنّه قدرُ الله يختارُ ذلك اليوم ليكون يوم الفراق، فتتلاقى الأرواحُ دون الأجساد، وتتعانق الذكريات، ويَعظُمَ الألم، ويشتدَّ الشوق، ويبوح الحنين بفيضٍ من المشاعر، وتغرق الروح في بحر كلِّ ذلك، طالبةً من الله الصبرَ والسلوان، تُحدِّثُ سويداء القلب عمّا يجري، تُسائلُها: لِمَنْ سَأَعُودُ يا أمّي! ومَنْ سيحنو عليَّ بعدكِ يا أمّي، وأيُّ حُضنٍ يا أمِّي سيتَّسعُ لكلَّ الأشواق والأحاديث التي خبَّأتُها طمعًا في لقائِك، كم كنتُ أتمنى أَنْ أُقبَّلَ رأسَكِ لترضَيْ عنِّي وتُخبريني كم أنَّكِ فخورةٌ بي، كم اشتقتِ إليَّ، ولكنْ.. حسبيَ الله يا أمِّي ونِعْمَ الوكيل.

"أَأَنساكِ؟! سؤالٌ باتَ يقتُلُني، إلى الأَعماقِ يأخذُني، ويَعْوي صوتُه المشؤومُ في آفاقِ ذكراكِ،

أَأَنساكِ؟! سكاكينٌ على صدري، أرى في حدِّها قبري، وليلٌ في مُخيِّلَتي تُسافرُ فيهِ عَيْناكِ، أَأَنساكِ؟! أجيبيني! فإنَّ البُعْدَ والحِرمانَ شيءٌ فوقَ إدراكي، وهل أنسى غُروبَ الشمس تلفحُ خدَّكِ الباكي؟! وهل أنساكِ يا أُمَّاه كيف وقلبي مأواكِ؟! أُحبُّكِ أَيْنَمَا تَمْضِينَ عنْ عَيْنيَّ ألقاكِ، وطائرُ نورسٍ يشدو هنالِكَ في أَنينِ البحرِ ملءَ البحرِ أَهواكِ، على الحيطانِ ترتسمينَ، وفي الأوراقِ تبتسمينَ، مِنْ أرضٍ إلى أرضٍ يُطاردُني مُحيَّاكِ، وبَينَ الفجر والإشراق تنبعثينَ من روحي، فلا أدري إذا ما كُنتِ امرأةً أمِ الإصباحُ غنَّاكِ!"