أهانت الطامعين بها وبقيت.. فلسطين

الجمعة 11 مايو 2018 04:58 م بتوقيت القدس المحتلة

ليس من المُستغرب أن يصف "هنري كيسنجر" وزير الخارجية الأمريكي الأسبق التاريخ بـ" منجمٍ زاخر بالحكمة التي قد تجد فيها المفاتيح الذهبية لمشاكل حاضرنا"، ولأجل ذلك عمل كل جهوده لبلده فكان أحد أهم قادة التغيير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العالم. ولأن أمةَ "اقرأ باتت لا تقرأ"، وفي زمنٍ أصبح تسلل الإحباط على أنفسنا العربية وصفةً شبه يومية، كنتيجة طبيعية؛ لأن قطار النهضة والرِفعة العربية بات يسير في عكس رغبات الشعوب، فإن البحث عن مصابيح تُنير لنا دروب نهضتنا، من شأنه منحنا بصيص أملٍ في مواجهتنا التي نعيشها في الزمن الراهن ضد قوى البغي والاستبداد التي تدفع بكل قوتها لمنع تكرار مشاهد العزة والكرامة العربية التي عاشها أجدادنا، وهو ما اختصره المفكر وعالم الاجتماع المصري الإسلامي المعروف عبد الوهاب المسيري بقوله "التاريخُ العربي مليء بوقائع تُبين مدى أهمية الثقة بالنفس".

في فلسطين التي باتت في العام 2018م وحيدةً في الميدان- إلا من رحم الله- ولم يتخلَ فقط عنها أخوة القومية أو الدين، بل وقف الكثيرُ منهم في خندق من سرق أرضها وطرد أهلها، واستباح عروش إخوانها. إن هناك الكثيرُ من النماذج المُشرفة التي لا ينبغي تجاوزها في هذه المرحلة التاريخية الحساسة، في زمن بات البعض كما هو واضح يعملُ جاهداً على إخفاء أي معالم ترفعُ من شأن الفلسطيني وتُخبره بأن أجدادك والآباء قد سلموا الراية مرفوعة، فلا تسلمها لأطفالك مكسورةً أو مهزوزة، فإن فعلت ذلك تكون قد خالفت ما ذهب إليه العالم المسلم "ابن خلدون" الذي تُدرس كُتبه ولا تزال في أرقى الجامعات الغربية حتى الآن، فهو الذي رفع إشارة "قف" أمامنا ليُخبرنا بأن التاريخ هو مُلهمنا للحاضر والمستقبل.. إن التاريخ من وجهة نظره هو الذي " يوقفنا على ظروف الأمم السابقة، وأخلاقهم، وسِير الأنبياء، والملوك، وطبيعة سياستهم كي يتم الاقتداء بهم، والابتعاد عن أخطائهم التي ارتكبوها"..

الكثيرُ من المُطبِّعين من العرب والمسلمين باتوا هذه الأيام يتنافسون تنافس الضباعِ على جيفتها، لإثبات الولاء لـ" إسرائيل" والتقرب منها زُلفاً من خلال شتم فلسطين، ودق خنجرهم المسموم، ليس في ظهرها فقط، وإنما في خاصرتها وفي كل ناحيةٍ من جسمها الجريح. أيها المتسابقون مهلاً، فلسطين ليست أي كيانٍ في هذه الدنيا، توقفوا مع محطات قليلة من التاريخ، وستدركون بأنكم ارتقيتم المرتقى الأصعب.. ليست فلسطين التي يُعَمِرُ فيها ظالم، أو يهنأ فيها الهاربون من مزابل الدُنيا.

في فلسطين تلاشت إمبراطورية الروم، وفي فلسطين تحطمت أطماعُ نابليون، وعلى أرضها هزم صلاح الدين الأيوبي الصليبيين شر هزيمة، وداخل حدودها كذلك تفرقت جموع التتار بعدما اجتاحت العالم

* على أرضِ فلسطين تلاشت امبراطورية الروم التي حكمت مساحاتٍ واسعة من كوكب الأرض لأكثر من خمسمائة عام، وسمع بضجيجها كل الدُنيا، لكن الأرض التي استقبلت الفاتحين لفظت الغُزاة المتجبرين رغم سني عمرهم المديدة.

* في خارج فلسطين سطع نجم الإمبراطور الفرنسي "نابليون بونابرت"، ومن خلاله أدخلت فرنسا من خلال "الحروب النابليونية" جميع القوى العظمى في أوروبا تحت لوائها، فانتصرت في كل الحروب التي واجهت بها الدول المختلفة أمامها. بل إن نابليون ومع جنون العظمة الذي عاشه وعقب غزوه لمصر، اعتقد أن فلسطين كغيرها، فتوجه لها وضرب حصاراً شديداً على عكا في العشرين من مارس عام 1799م، استمر على مدار شهرين كاملين، غير أن صخور عكا الفلسطينية الصلبة انتصرت في الحادي والعشرين من مايو عام 1799م، فدفعت صاحب العلوم العسكرية للرضوخ أمام إرادة أهل فلسطين وعدم سلب بلادهم منهم، ليرجع "نابليون" لبلاده مهزوماً مدحوراً ويغيب اسمه على أسوار فلسطين بعدما سطع نجمه بين العالمين.

* وفي العام 1099م زحف الصليبيون نحو القدس دُرة تاج المسلمين وحاصروها أربعين يوماً، حتى دخلوا في ليلة الثالث أو الرابع عشر من يوليو تموز عام 1099م، فقتلوا في يومٍ واحد أكثر من سبعين ألفاً من سكانها المسمين، وخلال اغتصابها جعلوا من مسجد قبة الصخرة فيها اسطبلاً للخيل، وتواصل ظلمهم لأهلها حوالي تسعة عقود من الزمن، إلى أن جاءت لحظة زوال دولتهم الموهومة على يد القائد الكبير صلاح الدين الأيوبي في العام 1187م، وبذلك لفظت فلسطين خبثها وطهرت أرضها من جديد.

* ظهرت الإمبراطورية المغولية أو المنغولية وتحولت في زمن سريع لأكبر إمبراطورية ككتلة واحدة، وثاني أضخم امبراطورية في التاريخ من حيث المساحة بعد الإمبراطورية البريطانية، بل وأعظم رُعبٍ مرَّ على تاريخ أوراسيا. ويكفي القول أنها سيطرت على حوالي 22 بالمائة من مساحة اليابسة على الكرة الأرضية.

ومن ضمن سيطرتها على مدن ودول العالم الإسلامي، فقد سقطت الدولة الخوارزمية بيدها وتبعها سقوط بغداد بعد حصار دام أياماً، فاستبيحت المدينة وقُتل الخليفة المستعصم بالله فسقطت معه الخلافة العباسية، ثم تبع ذلك سقوط جميع مدن الشام وفلسطين وخضعت لهولاكو، أما على أرض فلسطين وفي الثالث من سبتمبر عام 1260م، فلفظت فلسطين في بلدة عين جالوت التتار، وأوقفت تواصل زحفهم صوب العالم، فهزمتهم شر هزيمة وفرقت جمعهم، وجعلتهم يُدركون بأن فلسطين مُحرمةٌ على الغزاة واللصوص.

تلك محطاتٌ من التاريخ تنفعُ أن تنيرَ طريق من يراهنُ على انكسار فلسطين، ويعتقدُ واهماً بأن كثرة الجروح في جسدها يمكن أن تدفعها للركوع لكل سارقٍ لأرضها وطاردٍ لأهلها. على رِسلكم يا سادة، لا تتعجلوا، فليس كُل الطير يؤكلُ لحمه، في فلسطين تلاشت امبراطورية الروم، وفي فلسطين تحطمت أطماعُ نابليون، وعلى أرضها هزم صلاح الدين الأيوبي الصليبيين شر هزيمة، وداخل حدودها كذلك تفرقت جموع التتار بعدما اجتاحت العالم. وفي فلسطين سنقضي على المسيح الدجال بإذن الله تعالى، وعما قريبٍ سنطردُ الصهاينة الذين سرقوا أرضنا وديارنا منا منذ سبعين عاماً، فمن رَكب في سفينة فلسطين المنتصرة دوماً فقد أصابه شرفها، وأما من فضل رميها بالحجارة فلن تنتظره وستمضي تشق طريقها غير آبهةٍ بعواءٍ هنا أو نبحٍ هناك.