التمسك بحق العودة.. لماذا يزيد الفلسطيني معاناته؟

الجمعة 11 مايو 2018 04:53 م بتوقيت القدس المحتلة

التمسك بحق العودة.. لماذا يزيد الفلسطيني معاناته؟

بقلم الكاتب الصحفي: يحيى باسم عياش

إن مشهد العودة الفلسطينية الذي بات يتكرر خلال الأسابيع الأخيرة في قطاع غزة، يوحي لنا بتفاصيل حكاية القلب الذي يحمله اللاجئ الفلسطيني على مدار سبعين عاما؛ حينما راكمت معاناة السنين فيه صخرة من الآلام، ولكنه لم يسلم مفتاح عودته عند أي لحظة من لحظات الضيق والخناق، بل احتفظ به في قلب صغير. قلبٌ يختلف عن باقي القلوب، ببساطته وطيبته ورغبته في تحقيق حلم سمع عنه من أجداده وآبائه الذين ذاقوا مرارة التهجير والتشريد والنكبة، وخذلهم القريب قبل البعيد، ونفذ العالم عليهم أعتى سياسات التضليل والمؤامرات وزيادة الخناق لأجل نسيان قضيتهم، لكنهم رفضوا النسيان وأخذوا على عاتقهم توريث الحقوق لأجيالهم جيلا بعد جيل. أتدرون كيف يحوي هذا القلب الصخرة والمفتاح معا؟! إنه يقهر المُهجّرون له من أرضه على صخرة معاناته.. هل سمعتم من يزيد معاناته فوق المعاناة؟! إنه الإنسان الذي غلبته القوة في طرده من بيته في المرة الأولى، فقرر بعدها ألا يغلبه سوى الموت أو العودة.

ولا يزال هذا القلب يُحدث نفسه عن أمل العودة القريبة، حتى ولو خذلته الظروف واشتد عليه الواقع ظلما، فلم يعد يرى بصيص الأمل، لكنه يبقى يحاول مع كل فرصة، ولن يرضخ مهما تكالبت عليه الدول والأمم. وفي محطة مهمة من تاريخ النضال الفلسطيني؛ يقرر الشعب أن يخاطب العالم بأسلوب جديد، لعله يفهم ما وصل إليه الواقع المرير على مدار سبعين عاما ذاق خلالها ويلات احتلال لم يدخر أسلوبا من أساليب الإجرام وانتهاك الإنسانية، من قتل واعتقال وتشريد طال صغيرا وكبيرا ورجلا وامرأة وشيخا وشابا، فالكل الفلسطيني يشترك في مواصفات القلب الذي تحدثت عنه في مقدمة المقال.

اليوم الموعد

لحظات قليلة تفصلنا عن موعد يحاول فيه الفلسطينيون استرداد حقوقهم المسلوبة من أطول احتلال، ضمن محاولات كثيرة بذلوها ولا زالوا يبذلون، لعلهم هذه المرة ينجحون، فلا خيار أمامهم سوى النجاح، أمام عالم تعاظمت غطرسته، وأصبح دون حياء يقدم وفي وضح النهار حق الأرض والمقدسات كهدايا ثمينة للاحتلال، فمع كل فترة زمنية تتجدد علينا وجوه "تمنح ما لا تملكه لمن لا يستحقها".

سيصنع الشباب الثائر كلمتهم، ويؤكدوا للقاصي والداني أن الصغار لا ينسون حلم الكبار،  ولن يرفعوا راية الخضوع والاستسلام

"مليونية العودة الكبرى"، كما قرر الفلسطينيون أن يطلقوا عليها في ذكرى سبعينية النكبة، العدو قبل الصديق ينتظر ماذا سيصنع الميدان في هذا اليوم الموعود، فالصديق يأمل أن تكون محور تحول في تاريخ النضال الفلسطيني، والعدو يُمني نفسه أن تكون موجة عابرة، تضع أمواجها بهدوء وسكينة وأقل الأضرار. لا أحد يتوقع ما الشكل الذي سيرسمه الفلسطينيون في تلك اللحظات من التاريخ، لكن الحقيقة الراسخة أنها رسالة تمسك بالحقوق المسلوبة، وتأكيد أن القلب لا يزال يحافظ على مفتاح عودته، رغم تضخم صخرة آلامه، وإن هذه الصخرة حتما ستنفجر في وجه واحد، وتحطم المحتل، وتحقق على أصلابها حق حرية منشودة طال انتظارها.

سيصنع الشباب الثائر كلمتهم، ويؤكدوا للقاصي والداني أن الصغار لا ينسون حلم الكبار، وإنهم سوف يصنعون الوسيلة من العدم، ولن يرفعوا راية الخضوع والاستسلام، فما ضاع حق وراءه جيل كالذي رأيناه في الجمع الماضية من فعاليات مسيرة العودة الكبرى، وما امتلكوه من شجاعة جعلتهم يواجهون جيش مدجج بالسلاح بصدورهم العارية، وقلوبهم النظيفة الموسومة بالصخرة والمفتاح.

ولصورة الشهداء ودمائهم الطاهرة التي تجسد قولا وفعلا حقيقة القلب الصغير الذي يحوي المفتاح والصخرة، فإنهم الظاهرة الأجمل على مدار التاريخ النضالي الفلسطيني، فلكل منهم حكاية حب وفرح يسطرونها بابتسامتهم ومفارقتهم لأحبابهم وأهلهم، فطوبى لهم أنهم يكتبون التاريخ بأغلى ما يملكون، بأروحهم التي تعيش بين الثوار وتجعلهم أكثر إصرارا على المضي في الطريق الذي سلكوه رفاقهم.

سيبقى هؤلاء الأبطال أمجادا لمشوار النضال الطويل الذي بدأ ولن ينتهي إلا بالعودة إلى الديار، فهم شعلة الطريق ونبراس الحرية، ولن ينسى حرٌ أنهم ما بخلوا بحياتهم من أجل دينهم ووطنهم، فسلامٌ عليكم وطبتم أحياء في دار البقاء.