تزوجيه لاجئا..!

الأربعاء 09 مايو 2018 10:43 م بتوقيت القدس المحتلة

تزوجيه لاجئا..!

بقلم الصحفية: هنادي نصرالله

أكتبُ لكِ عزيزتي الجميلة من غزة الحبيبة، حيثُ أستقي كلماتي من وحي مسيرات العودة الكبرى.. إني أضعُ بين يديكِ الكريمتين سطوري هذه، فحين يدقُ بابَ بيتكِ لاجئ، لطفًا ترفقي بقلبه ولا ترديه خائب، وذلك للأسباب التالية أدناه، تمعنيها وتقبلي قلبي الشاكر لحسنِ قراءتك..

تزوجيه لاجئًا؛ لتكونينَ له وطنًا ويكونُ لأحلامكِ نعم السند، فمن فقدَ المأوى سيُقدرُ كل شيء، حتى الخيمة ستغدو في نظره كأنها قصر، تزوجيه لاجئًا، ولا تكتري إن قالوا لكِ عنه إنه مشرد، فنعمَ التشردُ ذلك الذي التصقَ باسم الفلسطيني؛ ليصنعَ ثورةً تحرقُ كلَ مشاريع التطبيعِ والوطن البديل، تزوجيه لاجئًا، ليُعلمكَ أصولَ الرومانسيةِ من أمامِ حدودِ مدينتكِ المحاصرة، تلتقيا هناك؛ فتكتحلُ عيناكِ (بالكوشوك)فيتأملَ جاذبيتهما بفخرٍ يعجزُ لسانه عن التعبير عنه؛ فيكتفي بالقولِ لكِ "نعم الكحل كحل عينيكِ، إن الكوشوكَ حينَ يُكوشكُ عين أنثى ثائرة مثلك، يُصبح صاحبَ ماركةٍ تنأى بنفسها عن كلِ شبهاتِ التقليد، فلا يقوى مخترع أن يصنعَ كحلاً للعينِ من كوشوكِ الوطن السليب والمحاصر، لن يجرؤ أي مهووسٍ في فنون الموضةِ أن يُقلدَ تلكَ الأساطيرِ والإبداعات التي ينتهجها لاجئٌ من بلدكِ الجميل، وإن وصفوه بأنه البلد القاسي الذي لا تتوفرُ فيه أدنى مقومات العيش الكريم..

تزوجيه لاجئًا، يصطحبكِ وأطفالك إلى الحدود، لتُجددا حبكما رغمًا عن أنفِ الرصاصِ الإسرائيلي بكل أشكاله، فإن رماكِ وإياه ذاك المحتل المدجج بأعتى السلاح بقنابل الغاز المسيل للدموع، وسعى محبوبكِ لتطويقِ دمعِ عينيك قولي له "إن دمعي هذا يعني أنني فرِحة بوجودِكَ معي، إنه دمعُ فرحٍ لا دمعُ خوفٍ من القبيح الذي يُحاصرنا، أبكيتني أنتَ بلطفكِ ولم تُبكيني قنابل غازه، هكذا تعلمي أن تُحرِفي الوقائع لصالحك، وهكذا هو سيحاولُ أن يقلبَ مفاهيم عقلكِ لصالح الإنتاج الوطني والصمودِ الفلسطيني الرهيبِ بكل مكوناته ومكنوناته..

تزوجيه لاجئًا وكل الدنيا ستكونُ شاهدة على فرحتك، يكفيكِ شرف أنَ الجميعَ سيتناقلُ نبأ فرحتكِ، وأنكِ بصنعكِ هذا ستدخلين السرور في قلوبِ كثيرين

تزوجيه لاجئا يتمرد على لجوئهِ بكلِ عنفوان، يُعلمُ الدنيا أن ابن المخيمِ ليسَ كمثله ابن، هو ابنٌ بارٌ لقضيته، وفيٌ لخيمته، منتميٌ حدَ الجنونِ لأرضه، تزوجيه لاجئًا ولا تترددي فإنَ مهاوي الردى تكمنُ في الترددِ، اقتلي شيطانَ الخوفِ بداخلكِ وتجرئي؛ فإنَ الجبنَ كل الجبنِ آلا توافقي..

تزوجيه لاجئًا، يصنعُ لكِ زفة فرحة ليسَ كمثلها زفة ولا فرحة، حتى طرحتُك التي ستُغطي رأسكِ ستكونُ مغايرة لكلِ ما ألفتُه النساء في حفلاتِ الزفاف، سنغني لكِ بفخر"زفوا هالحلوة الفلسطينية بالثوبِ والشال الأصيل، زفوها لذلك الجميل، غنوا لها مواويلَ العودةِ والوحدةِ، وعلوا صوتَ الزغاريد على وقعِ أهازيج آويها ويا صحن الرز والحليب، أويها وكل ما برد بطيب، آويها وإحنا أهلية وما حدا فينا غريب، الغريب هالمحتل اللي احتل وطنا وخلاه سليب"..

تزوجيه لاجئًا وافتخري وقولي للشاهدِ على الميثاق الغليظ بينكِ وبين الثائر العنيد، سجل يا قاضي سجل وهذه فرحة في البلد، مبروكة سبع بركات وعقبال إن شاء الله الولد، سجل يا قاضي سجل وهذه فرحة في الحارة، مبروكة سبع بركات عروستنا يا نوارة، سجل يا قاضي سجل وهذه زفة على الحدود، مبروكة سبع بركات تستاهل أرض الجدود"..

تزوجيه لاجئًا وكل الدنيا ستكونُ شاهدة على فرحتك، يكفيكِ شرف أنَ الجميعَ سيتناقلُ نبأ فرحتكِ، وأنكِ بصنعكِ هذا ستدخلين السرور في قلوبِ كثيرين، سيحضرون حفل زفافكِ التراثي من أي نقطةٍ تختارينها من نقاط الحدود الثمانية في غزة، سيحضرونه من باب الابتهاج أو المشاهدة أو التسلية أو الوطنية، أيًا تكن دوافعهم ابتهجي، وازدادي ابتهاجًا حينَ يُتابعُ فرحتك الاحتلال بكلِ أركانه، فإن متابعته تعني يا عزيزتي أنه قد أُصيبَ بكلِ مشاعر الخيبة، حين أدرك كم أن غولدا مائير كذبتْ عليه وقتما قالت "يموت الكبار وينسى الصغار" فقد رحلتْ هي ولم يرحلُ تشبثُ اللاجئ بأرضه، ها أنتِ يا صغيرة كبرتِ وأصبحتِ عروس، وتزوجتِ بثائر، لتُنجبي جيلاً جديدًا من أبناء اللجوء، جيل سترضعينه حليبَ العودة، فلا يقبلُ بغيرِ مسقطِ رأسه مسقط، ستعلمينه قولَ "فلسطين بلدي من رأس الناقورة إلى رفح" مثلما ستعلمينه أنا اسمي فلان ابن فلان ومن عائلة فلان "فهذان تعريفان متلازمان ملتصقان، لا غنى لأيِ فلسطينيٍ عنهما في حياته..

تزوجيه لاجئًا وإياكِ أن تخافي من قلة الزاد، أرقى أنواع الزادِ عند اللاجئ تجديه، إنه زاد الكرامةِ الذي لا ينضب، زادٌ لا يقبلُ أن يرخص في المزاد العلني

تزوجيه لاجئًا، يُدوخ الدنيا ببطولاته، حتى إذا قضى نحبه اختاره الله شهيدًا، فلا خيار أمامه إلا العودة أو الشهادة، تزوجيه وتوكلي على الله، وابتسمي وأنتِ تتذكرين (أسد فلسطين) الشهيد عبد العزيز الرنتيسي ذلك اللاجئ المهجر ابن قرية يبنا المحتلة عام ثمانية وأربعين وهو يقول لابنه البكر محمد "أنا يا محمد يا بني مجاهدٌ أرجو الشهادة أو إلى يبنا نعود، واعلم بأن بلادنا وقفٌ فلا تخدعك أحلام السلام مع اليهود"...!

تزوجيه لاجئًا وإياكِ أن تخافي من قلة الزاد، أرقى أنواع الزادِ عند اللاجئ تجديه، إنه زاد الكرامةِ الذي لا ينضب، زادٌ لا يقبلُ أن يرخص في المزاد العلني، فهو زادٌ غير قابل للبيع أو المساومة، إياكِ أن تصدقيهم حين قالوا بأن اللاجئ يسكتُ عند أول كابونةٍ يستلمها من وكالات ومؤسسات الغوث الدولية، فكل كوبانات الدنيا لا ولن تُنسيه حقَ العودة إلى فلسطين كل فلسطين، كلها لا تٌقارن أمام نسمة هواء وجلسة تجمعكِ به على بحر يافا، كلها لا تستوي أمام زيتونةِ الرملة، وتوتة الدار التي طالما اشتاق المنشد الفلسطيني أبو عرب لها، فرحل وهو مازال يقول لنا بأغانيه سنعود يومًا ولن نساوم..!

وعلى الهامش افتخر بأنني لاجئة ابنةُ الجميل أبي (جميل) الذي هُجر والده من قرية الجيَة المحتلة عام ثمانية وأربعين، أفتخر بأني ابنةُ القرية، وأفتخر بكلِ أبناء القرى المحتلة قبل أبناء المدن، وأقولُ لكل الدنيا كجمالِ وإصرارِ قلوبِ اللاجئين وحيويتهم في العطاء لا ولن أجد أبدًا...!