التطبيع.. حين أصبحت الخيانة وجهة نظر!

الأربعاء 09 مايو 2018 10:38 م بتوقيت القدس المحتلة

التطبيع.. حين أصبحت الخيانة وجهة نظر!

بقلم المدون الفلسطيني: حسين عاهد حلس

في ظل الوقائع والأزمات التي تمر بها العديد من الدول العربية والتي يمكن اعتبارها بأنها فَيصل الفصل بين العلاقات "العربية - العربية" و"العربية - الأوروبية" الأمريكية والإسرائيلية تحديداً، يمكن القول بأن القرن الواحد والعشرين ما زال يجسد قرن الذل والمهانة، ففيما تتنافس الدول العربية اليوم مع بعضها البعض على الصدارة العربية كدولة فاعلة ومؤثرة في إطار الإقليم العربي والدولي، وجدنا في الجهة المقابلة كفة طاعة يجب عليهم خدمتها وعدم التطاول عليها ثمناً لتلك الهيمنة، وكفة تجاهل ثانية للقضايا العربية الرئيسية والإسلامية عامة، فكيف بدأت شرارة التطبيع منذ القرن الماضي وكيف أصبح مفهومها "موضة عربية" يتسابقون عليها خدمة للمصالح العليا لسياسة دولهم في القرن الحالي؟

التطبيع سلاحُ المال والسياسة في خدمة الدولة العربية

لا شك بأن الدول العربية تمتلك العديد من الموارد الطبيعية والخيرات الاقتصادية التي تكفي بلادهم من التطوير والتصنيع ما يجعلها تواكب بعض الدول الأوروبية جمالاً وتحضراً لتنتقل صورة الدول العربية من البداوة للحضارة والتمدن، ولكن في الحقيقة إن صورة التمدن الحضارية للدولة العربية قد تتطلب من صانعي القرارات فيها واجبات وإملاءات عليهم القيامُ بها كنتيجة مباشرة لتلك الصورة، حيث يمكن القول بأن أول قرار على تلك الدول اتخاذه هو التقارب المباشر مع إحدى الدول العظمى في محاولة لجدولة الرؤى السياسة الاقتصادية والثقافية بينهم بشكل أكثر وضوحاً وأكثر فاعلية.

واليوم وفي ظل الانفراد الروسي الأمريكي بعلاقاته مع الشرق الأوسط أو ما يمكن تسميته باليمين السياسي أي "أمريكا" واليسار السياسي "روسيا" تنقسم توجهات هذه الدول إما يميناً اقتصادا ونفوذ مع سياسة الولايات المتحدة الأمريكية أو يساراً فكراً وسلاح مع سياسة الدب الروسي، وفي كلتا الاتجاهين تفقدُ الدول العربية قوميتها وتساومها بمبدأ "نفسي.. نفسي"، الذي يحتم عليها إما الفعل أو التغاضي عن بعض السياسات في سبيل الحصول على تلك الامتيازات، ولربما هنا أنا لا أنتقد التقارب العربي مع القطبين اليميني واليساري، فهي في نهاية المطاف سيف ذو حدين إذ يمكن استغلال هذه التقاربات بما فيه المنفعة للقومية العربية ولكني أنتقدُ السياسة العربية في فهمها الخاطئ لهذا التقارب الذي حمل في طياته فاتورة خيانة عظمى للمبادئ العربية الرئيسية.

لمِن العار على هؤلاء الذين يدعون الثقافة والعروبة بأن يخرجوا وبكل وقاحة في الحقيقة على وسائل الإعلام ليقولوا بأن الإسرائيلين لهم الحق في أرض فلسطين وهم الذين سكنوها منذ آلاف السنين

ظهور إسرائيل من مفهوم جماعات مسلحة استوطنت أرضاً لدولة ديموقراطية الاعتراف بها أمراً:

تبعاً لما تفرضه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الجديدة مع دول الشرق الأوسط من تغيرات هيكلية ورئيسية للقضايا العربية، ما زالت الدول العربية تبحث وتجهد نفسها لاستمرار هذا التقارب مهمها كلف الثمن. حيث وفي بداية وأواسط القرن الماضي ومع بداية تصدير النفط والنهضة العربية كانت فلسطينُ رمزاً للعواصم العربية وقلباً للتعاطف الدولي أما اليوم فقد أصبحت إسرائيل رمزاً للسلام وقلباً للاستثمارات الاقتصادية مع الدول العربية. فماذا حدث!، وما الذي تغير؟

مع بداية التأزم السياسي الإسلامي في تداخله مع شعوب العالم ومع أدلجة الدين الإسلامي للسياسة في نُظم الحكم تراجعت الدول العربية من مفهوم الدول المحبة للسلام إلى مفهوم الدول الدكتاتورية الأوليغراشية المستبدة من منظور أوروبي، والذي ينعكس على الدول العربية بخسائر إما سياسية متمثلة بفقدانها قوة صوتها في المحافل الدولية أو بصورة اقتصادية نتيجة تصدير العالم الإسلامي كدول حاضنة فكرياً للإرهاب ومقاطعتها من قبل هذه الدول إما من خلال تقليص الاستثمارات أو ضرب السياحة، والذي يعكس الكره الأوروبي لفلسفة الدين والحكم معاً، هذه الشعوب التي تجد بأن العِلمانية هي حجر الأساس لنجاح أي نظام سياسي وحتى الشعوب العربية بدأت تتماهى مع هذه الصورة وتطالب حكامها بفصل الدين عن الدولة، واحترام كافة الأديان والأقليات.

ومن هنا ومن هذا المنظور بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بتعريف هذه الفلسفة ومحاولة نقلها لدول العالم الثاني والثالث، ولعبت السياسة الأمريكية طوال السنوات الماضية دوراً هاماً يعكس صورة إسرائيل كنموذج يجب الاحتذاء به أو على الأقل عدم المساس به، فإما أن تقبلوا بالأمر الواقع وإما لا علاقات بيننا وبينكم، فإن اخترتم الأولى كان خيراً لكم وأسلم فإسرائيل اليوم كانت وما زالت عبئاً اقتصاديا على الإدارة الأمريكية فهي لا زالت تندرج تحت مفهوم "الدول الريعية" أي الدول التي تعتمد في اقتصادها على المساعدات الخارجية أو على تشغيل إقطاعاتها من قبل الدول الأخرى، واليوم وبعد أكثر من سبعة عقود على إعطائهم أرض فلسطين وطناً لهم، بدأ العالم يبحث كيف يجعل من هذه الدولة الريعية دولة منتجة تعتمد على نفسها للتخلص من هذا العبء، وكونها تقع في منطقة الشرق الأوسط وجب على جميع الدول العربية المطبلة للتقارب الأمريكي بأن تدفع فاتورة إسرائيل اقتصاديا وفاتورة الخيانة كما اوضحنا مسبقاً عربياً.

سوء التثقيف كارثة فضحت شرائح المثقفين في المجتمعات العربية

إنه لمِن العار على هؤلاء الذين يدعون الثقافة والعروبة بأن يخرجوا وبكل وقاحة في الحقيقة على وسائل الإعلام ليقولوا بأن الإسرائيلين لهم الحق في أرض فلسطين وهم الذين سكنوها منذ الاف السنين وأن الفلسطينيين هم رحالة ليس لديهم وطن، عارٌ عندما يقول بعضهم بأن الفلسطينيين هم كلاب وأنجاس ولا يستحقوا بأن نقف بجانبهم ولا حتى الإقرارُ بحقهم لغواً، عارٌ عندما تشارك الدول العربية وفودها لزيارة إسرائيل قبل فلسطين، وهنا لن أحدثكم في التاريخِ فهو موجود إن أحببتم فطالعوه ولن أحاول إقناعكم بأحقيتنا لهذه الأرض فهي تشهد لنا بذلك، ولن أحدثكم بدينكم الذين أنتم به تتفاخرون، ولكني سأحدثُ ضميركم هل أنتم بهذا راضون؟

كيف لنا نحنُ من نحمل راية الجهاد والمقاومة لتحرير هذه الأرض طوال هذه العقود بأن نخون تراب هذا الوطن، كيف لسذج الثقافة وبكل بساطة بأن يقرّوا فلسطين العربية القومية رمزاً للخيانة!، في الحقيقة إن جهلكم وثقافتكم التي تدعونها هي لأتفه من أن نناقشها حتى فما أنتم إلا مرتزقة لا تمثلوا بلادكم فما زالت أوطاننا العربية تعجُ بالشرفاء والأوفياء الذين ما زالوا متمسكين بحقوق القضية الفلسطينية وثوابتها الوطنية.

مراحل التطبيع شعار الفترة المقبلة والخيانة أصبحت وجهة نظر

تترددُ في بالنا الكلمات الرنانة التي كتبها الشهيد صلاح خلف عندما قال: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر". فالخيانة اليوم لم ينحصر مفهومها لتقتصر على الفلسطينيين فحسب أما الدول العربية فمع بالغ الأسف تحول فكرها اليوم من الخيانة العظمى بتهمة التخابر مع العدو إلى الخيانة العظمى بتهمة شتم العدو، لا يخفى على أحد السياسة العربية الجديدة التي بدأت تتوائم بشكلٍ أو بأخر مع السياسة الإسرائيلية في المنطقة فمنهم من طبَّع علناً ومنهم من طبَّع خفاء فمن أعلى الطاولة شعارات مع الفلسطينيين وحقوقهم ومن أسفلها تطبيعٌ شامل ولقاءات وتفاهمات.

ومع تشعب الخيانة وتفرع مفاهيمها ينبغي على الدول العربية معرفة أن الخيانة لا تقتصر على التطبيع فقط.. فتجويع اليمن وحصارها خيانة وما يحدث بحق اطفال سوريا خيانة وما آلت إليه العراقُ من تدهور هو خيانة وتقسيمات ليبيا خيانة والسيطرة العربية على الموانئ العربية خيانة ودعم الثورات والانقلابات على الأنظمة خيانة وحصارُ قطر وعزلها خيانة وتجويع الأنظمة للشعوب خيانة ونهب الأوطان خيانة، واعطاء القدس عاصمة لإسرائيل دون موقف واحد موحد هي أيضاً خيانة، فالخيانة أصبحت في زماننا فعلاً وجهة نظر وسياسة جديدة لتحقيق المصالح والأهداف وبعيداً كل البعد عن المركزية العربية القومية.

"فأيها المطبعون مهلاً هل تحسبون تجاوزنا سهلاً، إن شعوبكم قائمةٌ والله لا ينسى شيئاً، والحقُ سيبزغُ فجره بأهلهِ شمساً، وستضربُ الأصفاد المكبلة نفسها فأساً فالحريةُ لا تشترى ولا تخشى كلباً ولا أسداً"