والتقيت بأمّي بعد 36 عاما من الهجرة

الإثنين 07 مايو 2018 11:52 ص بتوقيت القدس المحتلة

والتقيت بأمّي بعد 36 عاما من الهجرة

بقلم الكاتب والصحفي السوري: أحمد موفق زيدان

ستة وثلاثون عاماً غبت فيها عن  ثانوية المتنبي بمدينة إدلب الخضراء.. كأعرق مدرسة ثانوية خرّجت أجيالا تتفاخر بها المحافظة خصوصاً وسوريا عموما.. ما زلت أذكر يوم تخرجت من الإعدادية "الكفاءة" السورية من بلدة تفتناز الحبيبة وكان المجموع يخوّلني الالتحاق بأفضل الثانويات في الشمال السوري.. كانت رغبتي أن ألتحق بثانوية المأمون العريقة بمدينة حلب الشهباء، لكن الوالد عليه رحمة الله أشفق عليّ من طول الطريق الذي يفرض علي الذهاب لساعة والإياب لساعة أخرى، فضلا عن ساعات انتظار الحافلة ذهابا وإيابا، فتم التوصل لتسوية بيننا على أن ألتحق بثانوية المتنبي بإدلب التي لا تبعد سوى 15 دقيقة عن البلدة..

التحقت بالمدرسة، كان اليوم الأول صعبا للغاية عليّ..  فالحاجز بين المدينة والريف لا يزال قائما، لكن خلفيتي التنظيمية الإسلامية كسرت كثيرا من القيود ما دامت تحمل الأممية فضلا عن القطرية، وصلت إلى المدرسة العريقة التي بدا الفارق كبيراً بينها وبين مدرستي الإعدادية، كانت جينات العمل الإسلامي هي الغالبة على جينات العمل المدرسي، توجهت مع بعض الزملاء الذين تعرفنا عليهم سريعا وكانوا من قماشتنا أو طينتنا إلى مُوجّه المدرسة لنطلب منه غرفة للصلاة، إذ لم يكن هناك في المدرسة العريقة مكان لها، وبدأ الجدل بيننا كبضعة طلاب وبين الموجه حتى كان لنا ما أردناه، لكنه خصص لنا غرفة بالأصل كانت مستودعا للمدرسة وقد اعتلى الغبار ما فيها من أشياء لسنوات، سارعنا على الفور إلى تنظيفها ونقل ما فيها إلى مستودعات القبو، بينما انشغلت أنا بأخذ صورة المقبور حافظ الأسد وكانت بالحجم الكبير وهرعت بها إلى دورة المياه لأحطمها وأرميها داخل سلة مهملاته، كان يراقبني أحد الزملاء، إنه فهد خيزران رحمه الله ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقة مميزة بيننا، إلى أن استشهد بعد عامين تقريبا في مواجهات مع العصابة الطائفية..

كنت الأشد حرصا وشوقا للزيارة، كان كل شيء يصرخ بوجهي أن العهد الذي بيننا هو الوفاء واستمرار سيرة الأولين، لكن الواقع يصدح أيضاً بأن سنوات الثورة والنسيان والإهمال والضياع قد أتت على المدرسة

ظللنا على هذا الطريق بين تركيز على الدراسة وتركيز على العمل الإسلامي نلتقي في مسجد الروضة الجميل مقابل فرع الأمن العسكري المرعب، أخذا بالنصيحة الأمنية  "أكثر الأماكن أمانا القريبة من مخفر الشرطة"، وحين تصاعد العمل المسلح ضد العصابة الطائفية عام 1979  ممثلا بعملية كلية المدفعية بحلب بقيادة النقيب إبراهيم اليوسف كنا في معسكر تدريب بثانوية بنش القريبة من إدلب، مرّت أيام المعسكر على خير، إلى أن أتى العام الجديد  فقد كانت الانتفاضة المسلحة قد انتقلت إلى الشوارع والميادين، وخرجت مظاهرات حلب لتعمّ شوارعها، لتكون مدينة إدلب الثانية لحاقا بها في تنظيم المظاهرات، يومها كنا في الصف الحادي عشر حين قررنا مع بضعة من الإخوة الزملاء ترتيب مظاهرة في المدينة انطلاقا من الثانوية..

خرجنا من  مبنى المتنبي وكلنا غضب وحماس لنواجه بقائد شرطة المحافظة وهو في سيارته مع سيارات ضباط الأمن، فكان القرار مهاجمة السيارات بالحجارة فهربوا جميعاً أمام موجة المتظاهرين التي اندفعت من باب الثانوية وهي تهتف "لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس" و "لا إله إلاّ الله والأسد عدو الله" جابت المظاهرة الساحة الفوقانية من المدينة، لتصل إلى شارع الجلاء الرئيسي في المدينة فانضم إليها العامة، ولا أنسى حتى اليوم ذاك العجوز الذي غاص بيننا وهو يعتلي كتف شاب من الشباب المتظاهرين ليرفع شعارات جميلة وقوية ونارية ضد العصابة الطائفية، وبعد مهاجمة قوى الأمن لنا تفرقنا، لتكون المظاهرة الكبرى بعد يومين وصادف ذلك يوم الجمعة حيث استشهد عدد من الشباب وجرح آخرون حين سعوا إلى تحطيم صنم الطاغية في دوار المحراب عند مدخل مدينة إدلب باتجاه حلب..

هكذا كانت ثانوية المتنبي العريقة .... ساحة للحراك السياسي والشعبي، وبوصلة الثورة منذ أيام الثمانينيات، بعد أن كانت المدينة نفسها الوحيدة التي تجرأت على قذف حافظ الأسد عام 1970 بالبندورة وبالحذاء حين كان يخطب في سوق الخضار وفي ميدان المحافظة، لقد كانت مدينة حرة بكل معنى الكلمة، جمعت تمرد الناصريين في الخمسينيات وتمرد الإخوان في السبعينيات والثمانينيات، ثم تمرد الشعب كله في هذه الثورة..

عُدت إلى المتنبي قبل أيام لأجدها كئيبة غريبة الوجه واليد واللسان، وما إن دلفت إلى ساحتها حتى اغرورقت عيناي بالدموع، كان اللقاء كلقاء ابن مع أمّه بعد فراق طويل وصدق حافظ إبراهيم حين قال:

الأم مدرسة إذا أعددتها *** أعددت شعباً طيب الأعراق

 

فجأة عادت الحياة إليّ من جديد، وفجأة شعرت بعودة الروح والحياة إلى من التقيته فيها كان هناك شخص بدا من ملامحه فنانا وبرفقته شخصان آخران، سلمت عليهم جميعاً فعرفوني، وقلت لهم أعود إلى هذه المدرسة بعد غياب قسري دام 36 عاماً، على الفور عرّف الأستاذ وضاح نعمة نفسه كفنان تشكيلي مديرا للمدرسة، ومعه أستاذ آخر وعامل في المدرسة، وقال لي لقد فرحت كثيراً بهذه الزيارة التي تمثل وفاءً للمدرسة، بعد أن كنت مغموما حزينا، كان حريصا على أن يأخذني بجولة في أرجاء المدرسة وأنا الأشد حرصا وشوقا إلى زيارة الصف العاشر والحادي عشر والثاني الثانوي حيث درست. كان كل شيء يصرخ بوجهي أن العهد الذي بيننا هو الوفاء واستمرار سيرة الأولين من رفاقك وزملائك، لكن الواقع يصدح أيضاً بأن سنوات الثورة والنسيان والإهمال والضياع قد أتت على المدرسة..

حدثني الأستاذ وضاح عن معاناة المدرسة المالية، وأن أعداد الطلبة تقلصت بشكل كبير بسبب الضائقة المالية، وأن المدرسة تبكي دما لا دمعا، لعل هذا كل ما تريده العصابة الطائفية من مدرسة عريقة آلمتها وأقضت مضجعها لعقود، وها هي تنتقم منها على طريقتها..

وهنا نناشد ثانويات العالم كله وتحديدا  ثانويات قطر والكويت وغيرهما أن تعلن عن توأمة مع هذه الثانوية العريقة .. فما أجمل أن تقترن ثانويات باسم ثانوية المتنبي وباسم المتنبي وباسم إدلب الخضراء  درع الثورة، بل درع البشرية كلها بعد أن خذلت الشام وأهلها وأسلمتها لاحتلالات مزدوجة وعصابات الكيماوي والبراميل المتفجرة والصواريخ البالستية والطيران ووو..