حماس وإسرائيل: محفزات التصعيد وكوابحه

الإثنين 07 مايو 2018 11:44 ص بتوقيت القدس المحتلة

على الرغم من أن كل الشواهد تؤكد أنه لا يوجد لدى كل من حركة حماس وإسرائيل مصلحة في أن يفضي التصعيد الأخير في القطاع إلى مواجهة شاملة، إلا أن مستقبل هذه المواجهة يتوقف على مستوى التوازن بين محفزات يمكن أن تدفع نحو تعاظم هذا التصعيد وكوابح يمكن أن تعمل على احتوائه.

فعلى رأس محفزات التصعيد يمكن رصد مظاهر تعاظم الضغوط الداخلية التي تمارسها نخب اليمين الديني المتطرف على حكومة بنيامين نتنياهو لمواجهة أنماط المقاومة الشعبية التي ينفذها الفلسطينيون، على هامش حراك مسيرات العودة الكبرى، والتي تتطور باستمرار، بحيث باتت أكثر كلفة.

فلأول مرة منذ انطلاق حراك العودة قام جيش الاحتلال الليلة الماضية بقصف موقع لـ "كتائب القسام"، الجناح العسكري لحركة حماس على الحدود مع القطاع، ردا على قيام فتة فلسطينيين بإطلاق طائرة ورقية من مكان قريب، حيث زعم الناطق باسم الجيش أن الطائرة تسببت في إحراق مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في المكان.

وقد برر الاحتلال الهجوم بأن إسرائيل ترى في حركة حماس الطرف المسؤول عن القطاع وبالتالي فأنه يتوجب جباية ثمن منها ردا على أي عمل ينطلق من قطاع غزة.

وعلى الرغم من أن جيش الاحتلال حرص على قصف الموقع عندما كان خاليا من عناصر "القسام" بهدف عدم توفير مسوغات للتصعيد، فأن تطور مناشط المقاومة الشعبية على هامش حراك العودة قد أثرت بشكل واضح على البيئة الداخلية لعملية صنع القرار السياسي في تل أبيب، بشكل قد يفضي إلى دفع حكومة نتنياهو لتوسيع ردودها على هذه المناشط، تأثرا بهذه الضغوط.

فقد تنافس وزراء ونواب من الائتلاف الحاكم على المطالبة بتصعيد الردود على مطلقي "الطائرات الورقية"، إلى درجة أن وزير الأمن الداخلي جلعاد أردان قد دعا إلى التعامل معهم كمن يطلق الصواريخ وتصفيتهم. في الوقت ذاته، فأن النخب اليمينية قد وظفت حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي لشن حملة تحريض على المشاركين في حراك العودة إلى جانب توجيه انتقادات حادة لـ "تساهل" حكومة نتنياهو في التصدي لها.

ومما زاد الأمور تعقيدا وأسهم في إحراج كل من حكومة تل أبيب وقيادة جيشها حقيقة أن المشاركين في مسيرات العودة تمكنوا مؤخرا وبشكل واضح من اجتياز الحدود وعمدوا إلى المس ببعض البنى المادية التي تخدم قوات الاحتلال شرق الحدود.

ويعد هذا التطور مصدر قلق كبير لآلاف المستوطنين الذين يقطنون المستوطنات التي تنتشر في المحيط، على اعتبار أن تمكن الشباب الفلسطيني من اجتياز الحدود يمكن أن يوفر مظلة لعناصر حركات المقاومة في التسلل إلى المستوطنات وتنفيذ عمليات اختطاف.

وفي المقابل، فأنه على الرغم من أن حركة حماس، تعد الطرف الفلسطيني صاحب المصلحة الأبرز في توفير ظروف لتواصل حراك العودة وضمن ذلك تجنب الانجرار لمواجهة مع إسرائيل، فأنها قد لا تكون قادرة على مواصلة غض الطرف عن الهجمات الإسرائيلية، سيما في حال أصحبت أكثر كلفة.

ومما يقلص هامش المناورة أمام الحركة، حقيقة ان إسرائيل تواصل حربها السرية ضد الحركة والتي تقوم على تنفيذ عمليات استخبارية ضد بناها التنظيمية البشرية والمادية. صحيح أن هذه العمليات تكون عادة بدون آثار تقود لإسرائيل، ناهيك عن أن تل أبيب تحرص في الغالب على نفي مسؤوليتها عنها، إلا أنها تحرج الحركة.

وقد مثلت عملية التفجير، التي استهدفت أمس الجمعة مجموعة من "كتائب القسام" في المنطقة الوسطى من القطاع، التي راح ضحيتها أمس ستة من عناصر "الكتائب" مثالا على هذه العمليات التي تكون "بدون توقيع" إسرائيلي واضح.

لكن في مقابل هذه المحفزات، فأن هناك كوابح، يمكن أن تجعل الطرفين، وتحديدا إسرائيل تقلص الاندفاع نحو المواجهة.

وعلى رأس هذه الكوابح، إدراك إسرائيل أن الملاحظات التي تضمنها تقرير مراقب الدولة الذي حقق في مسار حرب 2014، قد تجعل أية حرب جديدة في مواجه حماس تفضي إلى إعادة احتلال القطاع، في الوقت الذي لا يوجد هناك طرف ثالث يمكن أن يتولى زمام الأمور في القطاع. وهذا سيمثل وصفة لتوريط إسرائيل مجددا في مستنقع غزة.

من ناحية ثانية، فأن التصعيد ضد القطاع وما يمكن أن ينجم عنه من سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى عشية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس يمكن أن يفضي إلى اشتعال الضفة الغربية، سيما وأن التقديرات الأمنية الإسرائيلية تتحسب لتفجر الأوضاع هناك، حتى بمعزل عما يجري في القطاع.

إلى جانب ذلك، فأن حالة انعدام اليقين على الجبهة الشمالية، وانطلاق تل أبيب من افتراض مفاده أن ردا إيرانيا على الهجمات التي استهدفت المواقع الإيرانية في سوريا بات محتما، يقلص من دافعية إسرائيل للانجرار لمواجهة مع حماس في قطاع غزة، على اعتبار أن تل أبيب تجاهر بأن مصلحتها تكمن في توفير بيئة تضمن الفصل بين الجبهات.