"صوموا تصحّوا"

الأحد 29 أبريل 2018 01:21 م بتوقيت القدس المحتلة

"صوموا تصحّوا"

بقلم الطبيب: فتحي الشوك

جسم الإنسان نظام بديع متوازن نصف مفتوح له مداخل ومخارج يشتغل باستمرار دون توقّف في عمليّات هدم وبناء لفظ واحتفاظ، موت وحياة، ونموّ وانحسار. الجسد يحتاج للمواد الّتي يوفّرها من محيطه، يحوّلها طاقة، ويستعملها في مختلف العمليّات الحيويّة الفيزيولوجية، يمتصّ ما يفيده، يبني ويهدم ويكنس خارج الجسم كلّ ما ترتّب عن تلك العمليات الايضيّة والّتي يلعب فيها الكبد دورا أساسيّا.

يعتبر الكبد أكبر عضو غدّي في الجسم وهو من ملحقات الأنبوب الهضمي يزن حوالي كيلوغرام ونصف، ومقسّم لأربعة فصوص غير متساوية الحجم، ويقع في الجانب الأيمن من التجويف البطني تحت الحجاب الحاجز، وينقل إليه الدم عبر الشريان الكبدي الذي يحمل الدم والأكسجين من الأبهر، والوريد البابي ينقل إليه الدم حاملا الغذاء المهضوم من الأمعاء الدقيقة، الخليّة الكبديّة تحتوي على أكبر نسبة من المتقدّرات، والكبد هو أكبر معمل كيمياوي ومخزن للطاقة والمواد الأوّلية، إلى جانب دوره الأساسي والمحوري في الأيض وعدد من وظائف الجسم (500وظيفةعلى الدم ومكوّناته) مثل نزع السمّية كما يعمل كمركز تخزين للغليكوجين ومركز تصنيع لبروتينات المصوّرة (البلازما) الدّموية.

الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون وظيفة الكبد لمدّة لا تتجاوز 24 ساعة، وهو ككلّ الأعضاء يمكن أن يجهد أو يتلف وهو مرتبط بما يدخل الجسم من أعلى الأنبوب لذلك يقول الرّسول الأعظم "الحمية رأس الدّواء والمعدة بيت الدّاء". فهل يقدر على العمل بدوام كامل بنفس النّسق دون فترات راحة وتخفيض لنشاطه بالحدّ من الواردات خصوصا الضارّة منها؟

الصيام هو عمليّة تربويّة شاملة فردية ولها انعكاس اجتماعي واقتصادي، فهي تمكّن من ترشيد الاحتياجات الفردية والجمعيّة وعقلنتها

في حديث رواه النسائي عن أبي أمامة "قلت: يا رسول مرني بعمل ينفعني الله به، قال: عليك بالصّوم فإنّه لا مثل له" وقال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه الطبراني "صوموا تصحّوا" ولا يزال العلم يكتشف أهمّية وضرورة الإمساك عن الطّعام لفترة كعمليّة إراحة للجسد تمكّنه من إعادة بناء توازنه من جديد، وهي مدّة لا يجب أن تتجاوز 20ساعة في اليوم وإلّا صارت ضارّة ولمدّة 4 أسابيع حسب بعض الدّراسات:

* يقول البروفيسور نيكولايف بيلوي من موسكو في كتابه "الجوع من أجل الصحّة" 1976 (أنّ على كل إنسان أن يمارس الصّوم بالامتناع عن الطّعام لمدّة أربعة أسابيع كلّ سنة كي يتمتّع بالصحّة الكاملة طيلة حياته). وهي مدّة لا يجب أن تتجاوز في أقصى تقدير 31 يوما بصفة متواصلة كما توصّل الباحثون في التغذية عند دراستهم للإضراب عن الطّعام (لاحظ درينيك Dreanik ومساعدوه عامـ 1964م، عدداً من المضاعفات الخطيرة من جراء الوصال في الصّيام لأكثر من 31 يوماً.

وهو ما يتناغم مع حديث الرّسول الكريم: (إياكم والوصال قالوا فإنّك تواصل يا رسول اللّه قال إنّكم لستم في ذلك مثلي إنّي أبيت يطعمني ربّي ويسقيني)(راواه ابو هريرة). والصّيام في معناه مطلق الإمساك عن الشّيء والانقطاع عن الطّعام والكلام والجنس بدرجات متفاوتة وهو ممارسة كونيّة عرفته البشرية منذ فجرها (الهنود الفرس اليونان ..) وهي عبادة تعتبر ركنا في اليهودية والمسيحية تمارس بطرق مختلفة حسب المذاهب والطّوائف.

والصّيام الوارد عند اليهود في التوراة: هو الصّيام الأربعيني، ورد في التوراة: "وكان -أي: موسى عليه السلام- هناك عند الرّبّ أربعين نهارًا وأربعين ليلة لم يأكل خبزًا، ولم يشرب ماءً" (الخروج 34:28)،غير انّه لم يحدّد زمنيّا، وبعضهم لا يقرّ بذلك ويعتبر أنّ اليوم الوحيد الواجب فيه الصّيام هو يوم الغفران (يوم كبور) وقد حدّد أحبارهم مدّته ب27 ساعة (من قبل مغيب الشمس من اليوم الأوّل إلى ما بعد مغيب الشّمس لليوم التّالي وهو ما يتناقض ويتعارض مع الاستنتاجات العلمية اذ يصبح ضارّا كما أنّهم يختلفون في كيفيته: الامتناع عن الطّعام أو الماء، الجنس، الكلام).

أمّا في المسيحية الّتي استنسخت أغلب تشريعاتها من الكتاب القديم فالصّيام يختلف من الكنيسة الكاثوليكية البروتستانيّة أو الأرثودكسية وأعطت الكنيسة وحدها هذا الحق التقييمي (كيف ومتى) في حين يرى فريق من النّصارى "أنّ المسيح عليه السلام لم يفرض عليهم صيامًا إلا الصّوم الكبير (صوم يوم الكفارة) السّابق لعيد الفصح".

ولم تتوضّح الرّؤيا ويكتمل المشهد ويبرز متناسقا مع القوانين الفطريّة إلّا مع التشريع الإسلامي حين فرض في شهر رمضان من السّنة الثّانية للهجرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ۚ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)".(سورة البقرة).

تحوّل شهر رمضان الّذي شهد معركة بدر في فجر الإسلام إلى شهر التّكاسل والاستهلاك. وهو ما يتطلّب منّا وقفة تأمّلية ومراجعة ذاتيّة حتّى تتحقّق من الصّيام مقاصده الحقيقية

وهو الرّكن الرّابع من الإسلام حسب قول سيّد الأنام في تعريفه له: "بأن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصّلاة المكتوبة وتؤتي الزّكاة المفروضة وتصوم رمضان وتحجّ بيت اللّه". فالصّيام أو الإمساك عن المفطرات المحدّدة شرعا من طلوع الفجر إلى غياب الشّمس مع النّية (المالكية والشافعية) أو بدونها (الحنفيّة والحنابلة)، لمدّة شهر قمريّ (رمضان) وهو فرض وواجب على كلّ مسلم عاقل وقادر (يستثنى المريض والمسافر على أن يقضوا ما فاتهم لاحفا لمن يسترجع شروط الاستطاعة ويعوّض من لا يستطيع بالصّدقة المحدّدة).

الصّيام في الإسلام ليس إمساكا عن الطّعام والشّراب والجنس بل تهذيب لكلّ الجوارح ولابدّ هنا من الإشارة إلى تناغم كلّ العمليّة مع القوانين الفطرية: أقلّ من 20 ساعة صوم، مدّة لا تتجاوز 31 يوما، شهر قمري (مسؤوليته في المدّ والجزر وانتفال السّوائل في الجسد من مجال إلى آخر وإمكانيّة متزايدة لرسوب السّموم وعزلها). وهو زيادة على فوائده الجسدية الّتي ما انفكّ العلم يكتشف المزيد منها (الكبد بالخصوص، العثكلة، المعدة، الكلى، الغدد، المفاصل، القلب والأوعية الدّموية، الجلد، الوقاية من الأورام، السكّري، النّقرص، الجلطات بأنواعها) فهي عمليّة تربويّة شاملة فردية ولها انعكاس اجتماعي واقتصادي.

فهي تمكّن من ترشيد الاحتياجات الفردية والجمعيّة وعقلنتها إذا ما لم تسقط في الجانب الطّثوسي والفولكلوري الّذي يفقدها مقصدها ومعناها والّذي يجعلها مجرّد حصّة جوع تتبعها حصّة تعويض وإشباع إلى حدّ التّخمة مضارّها أكثر من منافعها (التأثير العكسي( effet rebond) والملاحظات الصحّية في بلداننا العربيّة أنّ في تمام شهر رمضان تكثر أمراض قرح المعدة وأمراض القولون، وتكثر الجلطات القلبية والدماغية، ويتعكّر مرض السكّري وتظهر تعقيداته، وتكثر الأزمات الحادة للنقرص، وأغلب الصّائمين يزدادون وزنا.

زيادة عن الظّاهرة الاستهلاكية الّتي تثقل كاهل الميزانية العائلية وغيرها من التأثيرات الاقتصادية الأنية أو المترتّبة عنها، (غلاء أسعار، احتكار) وخصوصا ضعف الإنتاجية إذ تحوّل شهر رمضان الّذي شهد معركة بدر في فجر الإسلام إلى شهر التّكاسل والاستهلاك. وهو ما يتطلّب منّا وقفة تأمّلية ومراجعة ذاتيّة حتّى تتحقّق من الصّيام مقاصده الحقيقية.