فادي البطش.. حين ينتصر العلم

الأربعاء 25 أبريل 2018 09:56 م بتوقيت القدس المحتلة

فادي البطش.. حين ينتصر العلم

بقلم الكاتب والداعية: إبراهيم الزعيم

ليس لأحد مصلحة في تغييبك عن الساحة العلمية، إلاه عدو العلم، فمن ذا الذي عرفك وما أحبك؟ فادي محمد البطش، قارئ القرآن، والعالم، منزلتان عظيمتان، كل واحدة منهما تكفي لنيل أعلى درجات الجنان، فكيف إذا اجتمعن في امرئ مسلم؟

إن بلوغ هذه المراتب العلية، ليس إلا توفيقا من الله سبحانه وتعالى، لعبد اطلع الله على سريرته النقية (أحسبه كذلك ولا أزكي على الله أحدا)، فكمله بهذه المكرمات، وانا على يقين أنه كان يعلم، أن لكل مرتبة من هذه المراتب الشريفة أمانة، وعلى صاحبها أن يأخذها بحقها.

وأبدأ بمنزلة أهل القرآن، التي لا تدانيها منزلة، وكم كنت محظوظا أن كنت واحدا ممن استمعوا لتلاوته، حينما كنا نصلي خلفه، في المسجد القريب من بيته، فهناك شهد له أهل الحي بالفضل والصلاح، وكيف لا يشهد الناس لصاحب القرآن بالفضل، وهم أهل الله وخاصته؟ ولماذا لا يحبهم الخلق وهم أحب الخلق إلى الله؟ أُولُو الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالصَّبْرِ وَالتُّقَى حُلاَهُمُ بِهَا جَاءَ الْقُرَانُ مُفَصَّلاَ. وأمانة القرآن، هي الدعوة إلى الله، وكان فيها رقيق القلب، رحيما، ودودا لكل مسلم، أما من كان على غير ملته من غير المسلمين في ماليزيا، فكانت طريقته في الدعوة إلى الله، هي الحكمة والموعظة الحسنة، فما رأيته يوما غليظا عابسا، بل هو البشر والابتسامة لكل أحد.

أما المنزلة الثانية للشهيد، فهي منزلة العلم، ولعله من الطبيعي أن يحوز هذه اللقب العظيم من بلغوا الستين أو جاوزها، أما أن يحوزه وبشرف شاب بلغ من العمر (35 عاما) فهذا مما فضل به فادي، ولذلك لم أتردد أن أطلق عليه لقب "العالم"، منذ لحظة استشهاده، فقد جمع بين العلم الشرعي، وعلم الهندسة الكهربائية. وفي هذا الميدان، الذي أحبه وبرع فيه، كان مبادرا مسارعا للخير، لا يفتر عن طلب العلم، والبحث في مسائله، مسجلا فيه تميزا وتألقا، فطاف المكتبات الجامعية، ونشرت أبحاثه في المجلات العلمية، وزاحم باسمه واسم بلده كبار العلماء في المؤتمرات الدولية.

لقد كنت واحدا ممن شعروا بالفخر، حينما حصل هذا العالم، على العديد من الجوائز، منها: جائزة جامعة مالايا لتلخيص رسالة الدكتوراة لغير المتخصصين في صفحة واحدة، وجائزة أفضل بحث، خلال مشاركته في مؤتمر بالسعودية، أما الجائزة الأهم، فهي جائزة منحة "خزانة" الماليزية عام 2016، وهي الأرفع من حيث الجودة، عن أطروحته في الدكتوراة، "رفع كفاءة شبكات نقل الطاقة الكهربائية باستخدام تكنولوجيا الكترونيات القوى".

كان أول عربي يحصل على هذه الجائزة، فشعرنا حينها بنشوة الانتصار، انتصار العلم على الجهل، والحضور على التهميش، والانتشار على الحصار، فيومها رفع اسم فلسطين، قبل أن يرفع اسم فادي وأسرته، ولم يكن ذلك آخر ما لديه، فقد انتقل من الطالب المثابر في جامعة مالايا، إلى الأكاديمي المميز في جامعة كوالالمبور، واستمرت مسيرة البحث العلمي، حتى قرأ أبحاثه ما يزيد على (5500) شخص حول العالم، أما المشاركات الدولية، فكان يجهز نفسه يوم استشهاده؛ للسفر إلى تركيا للمشاركة في مؤتمر علمي، لكن الرصاصات وصلت الجسد، غير أنها لن نقتل الفكرة والحلم، فاسمه لن يفوت، وعلمه لن يموت.

هذه هي أمانة العلم، التي أداها بتمامها، وهو مالا يروق للقتلة، فكيف للفلسطيني أن يبدع؟ وكيف لفلسطين أن ترتق علميا وفكريا؟ ونحن نقول: إذا كانت المسالة كذلك، فعهدنا مع فادي، ألا يقبل أحدنا، بأقل من أعلى المراتب والدرجات العلمية، التي تساهم في خدمة فلسطين.

لقد تربعت هذه الأرض المباركة في قلبه، فما شغل عنها في غمرة العلم والشهرة، ففي نهاية العام 2016، التقيت به، كان ذلك بعد تخرجي من الجامعة، فلما هنأني، سألني عن خطتي، قلت له عزمت على العودة إلى البلد، فقال لي: "إنني مشتاق جدا إلى البلد والأهل، وأسال الله أن أتمكن من ترتيب أموري هنا، وأزور فلسطين في أقرب وقت ممكن"، كان شوقه إلى فلسطين عظيما، لكن شوق الجنة إليه أعظم.

إنا لله وإنا إليه راجعون