"مرزوق" على السِلك الزائل

الإثنين 23 أبريل 2018 12:39 م بتوقيت القدس المحتلة

بنظرةٍ من عدم اليقين وجدوى فِعلهم، تفحصَ الحاج "مرزوق" أبنائه وأحفاده حينما حزموا أمتعتهم في الجمعة الأولى من مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار، بعدما قرروا التوجه للمشاركة في المسيرات السلمية على بُعدِ مئات الأمتار من السلك الذي رسمته العصابات الصهيونية لأكثر من مليوني إنسانٍ فلسطيني يسكنون قطاع غزة، بقوة غطرستها وجبروتها.

لم يحاول الحاج "مرزوق" منع أبناء عائلته من الخروج، وإن كان شعر بالخشية عليهم من رصاص وقذائف الاحتلال الصهيوني الذي يتفنن بقتل المدنيين الفلسطينيين باستمرار رغم أنهم أصحاب الأرض والوطن الأصليين. "مرزوق" الثمانيني جلس في الجمعة الأولى وحيداً داخل بيته، جال بفكره ورجع عقودٍ من الزمن إلى الوراء يوم أن كان طفلاً صغيراً بصحبة والديه، في حقلهم الغناء، بعِنبِه وزيتونه والتين، استوقفه صوت الإعلامي عبر المذياع بينما كان يزفُ للمستمعين خبراً تلو الآخر، عن المشاركة الواسعة للجمهور الفلسطيني في هذه المسيرات، واقترابهم من السلك الزائل، وقيامهم بانتزاعه، غير آبهين بقوات الاحتلال المدججة بأعتى الأسلحة والتي أخذت تقتنص الشبان والنساء، لكنها لم تُفلح في دفعهم للتولي.

مضت الساعات طويلةً في ذلك اليوم على الحاج "مرزوق"، وانتبه على عودة أهل بيته، حينما بادرهم والدموع تنحدرُ على أخاديد وجهه، بالقول: ليتني كنتُ معكم فأجدُ رائحة ليمون "يافا" وبرتقالها، و "عكا" وبحرها، وأتذكرُ أيام مرحي في زوايا ضريح الباب وحدائق البهائيين في "حيفا".. لم توقف كلماته إلا نحيبه الذي أبكى كل الحاضرين أطفالاً أو من النساء والرجال، وقطعوا عليه وعداً باصطحابه معهم في الجمعة التالية منذ الصباح.

نظر المُتحلقين حول العجوز "مرزوق" واتفقوا على الاستعانة بتلك الوسائل البدائية السلمية وتجريبها في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تجد التأييد في سرقتها لأرض فلسطين منذ أزمنةٍ طويلة

وعلى مدار أسبوعٍ كامل بدأ الحاج "مرزوق" الاستعداد لرحلةٍ في أقرب مكانٍ من موطن الميلاد، ومسرح الطفولة، واستعان بذلك بأحفاده، فقد جلس معهم ساعاتٍ طويلة يسمع منهم تفاصيل ما جرى في جمعتهم الفائتة. وحينما جاء اليوم الموعود، استند الحاج "مرزوق" على اثنين من أبنائه، وعُكازه الذي أصابته التشققاتُ كثيراً.. ركب في السيارة فداعبت نسماتُ الهواء العليل وجهه الذي عاد لشبابه خلال لحظات معدودة.. وحينما وصل إلى مكانٍ قريبٍ من تلك الأسلاك قرر الجلوس أسفل زيتونة يستظلُ بظلها، وبدأ بسرد حكايا الماضي لأبنائه والأحفاد والكثير من الشُبان الذين تحلقوا حوله؛ لعذوبة كلامه ورِقة كلماته.

وبعد صلاة الجمعة فضل الحاج "مرزوق" الزيت والزعتر وزيتون وحبات طماطم، على لحمٍ مشوي أحضره أبناؤه، وبدأ بتناول طعامه دون اقناعه بتناول اللحم، فقد وجد في الزعتر والزيت طعماً ذكرَّه بطفولة غابت تحت قذائف العصابات الصهيونية في العام 1948م. قبل الانتهاء من طعامهم باغتتهم القواتُ السارقةُ لديار الطفولة بعددٍ من قنابل الغاز المُسيِّل للدموع.. هرب الشباب من المكان، بينما بقي الحاج "مرزوق" في جلسته، وأخذ يضحكُ على هربهم بينما أمسك بصلةً وضعها على أنفه كوقاية من ذلك الغاز.

رجع الشباب للمكان ودموعهم أضحكتهم على أنفسهم وأضحكت عجوزهم الذي استهزأ بهربهم وقال: قنابل غاز هربتوا منها.. هاي العلاج.. بصلة من المطبخ تُضيِّع مفعول الغاز.. نظر إليه الشباب باستغراب وبدأ يسرد لهم أساليب مواجهة الاحتلال الصهيوني، كالبصل للغاز، وإطارات السيارات لحجب رؤية القناصة للمتظاهرين، والطائرات الورقية لحرق مزروعات الاحتلال.. والكثير من الوسائل البسيطة، لكن ذات الأثر الكبير..

نظر المُتحلقين حول العجوز "مرزوق" واتفقوا على الاستعانة بتلك الوسائل البدائية السلمية وتجريبها في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تجد التأييد في سرقتها لأرض فلسطين منذ أزمنةٍ طويلة من قبل قوى مُتجبرة في هذا العالم الذي لا يحترم إلا الأقوياء، أما الضعاف فيدوسهم ثم يمضي غير آبهٍ بصراخهم واستغاثتهم.

في الجمعة التالية جمع الشباب والأحفاد ما تراكم في غزة من إطارات سياراتٍ تالفة، نقلوها إلى مقربة من السلك الزائل، أشعلوها فحجبوا رؤية الاحتلال وانتزعوا أسلاكه الشائكة، فباتت زائلة بأيديهم، أربكوا حسابات قادة الاحتلال، فقرر العالم التحرك، ليطلب من سارق الأرض والمطرود منها على حدٍ سواء ضبط النفس، لكن الشباب الثائر سلمياً قرر مواصلة المشوار حتى تحقيق العودة واقعاً ملموساً، عودة يحكم فيها أهل الأرض والوطن الحقيقي أنفسهم بأنفسهم.. يقتسمون خيراتِ بلادهم ولا ينازعهم فيها أحد.