اكتُب أيُّها الفلسطينيُّ أدَبَ العودة

السبت 07 أبريل 2018 08:51 م بتوقيت القدس المحتلة

اكتُب أيُّها الفلسطينيُّ أدَبَ العودة

بقلم المدونة: نور أبوغوش

أن تولدَ فلسطينياً يعني، أن تحترفَ اقتفاء الأثَر.. أن تتبعَ كلُّ ما يرشِدُكَ إلى الوطن، أن تبحثَ عمّا يبقيكَ بين يديه، حكايات أبيكَ وجدّك، صورةٌ معلّقةٌ في مجلسك، "كوشان" أرضٍ يثبت ملكيّتك، شيء من زيتِ الضفة، بضعٌ من خيراتِ بلادك.. ثم وأنتَ تتبع الأشياء ستجدُ ما يضعكَ بينَ أفياء الوطن، ما يجلسكَ على أرضه، ما يريكَ أحداثهُ، ستجدُ الأدب يُصاغُ شعراً أو روايةً.. نظماً أو نثراً.

أدركُ أن الكلمات تفعل بنا ما لا يفعلهُ غيرها، وأنَّ الأدب يروي واقعنا ويؤرِّخُ أحداثنا وينقلُ مشاعرنا، إلّا أنّي كنتُ أشكُّ مؤخراً فيما إذا كانَ الأدب لا يزالَ يملكُ قدرته على تعزيز حسِّ المقاومة فينا أم لا. خاصةً إذا كان الكاتب أو الروائيُ يعيشُ خارج الوطنِ لا داخله، وكانَ السؤالُ المُلِحُّ: هل يملك الأدباء من فلسطينيي الخارج أن ينقلوا لنا صورةَ الداخل الفلسطينيّ بحسّهِ الحقيقي؟

ذهبتُ قبل أيامٍ إلى اسطنبول لحضور المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج. وبعيداً عن كَمِّ المشاعر والمواقف والتعقيبات على المؤتمر والتي تحتاجُ مقالاتٍ عدّةٍ لتحكيها لا واحداً فحسب؛ فإنَّ من أبرزِ ما استوقفني وأثار تفاعلي ورشةٌ تمَّ عقدها بين فعاليات المؤتمر بعنوان: "أدَبُ العودة والتحرير، حقيقةٌ حتمية أم أحلامٌ شعرية"؛ حيث تطرقت هذه الورشة لواقع الأدب الذي يدعم حق العودة ويؤرِّخُ القضية الفلسطينية.

لقد ارتحلَ عددٌ كبيرٌ من أبناء فلسطين إلى بلادٍ شتّى حاملين معهم أمانةَ القضية التي نقلوها للأجيال مُشافهةً ووراثةً، فَلَمَّا قضى جزء من الجيل الأول نحبه وارتحل تعلّقَت الأمانة في أعناق الكتّاب والأدباء لكي يستمرّوا في نقل هذا الحسِّ وهذه القضية لكلِّ الأجيال من بعدِهم.

بورك القلم والنبض والكلمات إن نطقت بالحق وللحق وإن غَدَت لسان صدقٍ وحقيقة، لا وهماً وترهّات. اكتُب أيها الفلسطيني أدبَ العودة؛ فمِن بركات حروفِكَ تنتَعِشُ القضية.

تطرَّقَت الأستاذة الكاتبة جهاد الرَّجبي في هذه الورشة "وقد كانت واحدةً من ضيوفها إلى جانب ثلةٍ من الكتاب والأدباء الفلسطينين الكرام" إلى اهتمام الكيان الصهيوني بأدب الأطفال لصياغة الثقافة الذهنية لديهم حول حقهم في امتلاك بيت المقدس وحُكم فلسطين، بما يقابل ذلك من تقصيرٍ ملحوظ في هذا الأدب من أَهْلِ الحقِّ في هذه القضية؛ الأمر الذي يشكّل خطراً حقيقياً إذا لم يتمّ تداركه من أدباء الوطن داخله وخارجه. ففي الوقت الذي كنَّا نعتمد فيه على جداتنا لمعرفة القضية، ونرى القدس في تطاريز أثوابهنّ، أصبحنا اليوم أشدَّ حاجة للأدب كي ينقل للطفل والجيل الجديد ما غابَ عن أعيننا مِن هذه المظاهر وغيرها.

إنَّ الكلمة هي معجزة الله الخالدة، وإنَّ المعركة الأدبيّة لا تقلّ أهمية عن المعركةِ العسكرية، والمقاومة دون الأدب عرجاء؛ ولذا فلا بدَّ لأدب المقاومة من أن يكون حقيقةً حتميّةً نسعى إليها بكلِّ ما أوتينا من قوةٍ وحرف. هذا الأدبُ الذي لا يحتاجُ منّا وقوفاً على الأطلالِ أو استذكارٌ لأعمالٍ قديمةً ونكتفي، بل هو بأشدِّ الحاجة لقلمٍ يكتبُ بمدادِ حبِّ الوطن، ولفكرٍ يصوغ روايةً، وثقافةٍ تنظمُ شعراً. هذا الأدبُ بحاجةٍ لأن ندعمه ونروّج له ونقف إلى جانبه، كَي لا يندثر ولا يختفي ولا يتحوَّل لسيفِ احتلالٍ إذا ما تمَّ إضعافه وانتقاصه.

قَد تلاشى الشكُ منّي وأصبحتُ أدركُ اليومَ جيداً أن الأدب لا يزال ينبض مقاومةً، أن الأدب لا يزالُ يملكُ القدرةَ على إحياء المقاومة، أنَ الأدب لا يزال قادراً على أن يكون هو المقاومة. فبورك القلم والنبض والكلمات إن نطقت بالحق وللحق وإن غَدَت لسان صدقٍ وحقيقة، لا وهماً وترهّات. اكتُب أيها الفلسطيني أدبَ العودة؛ فمِن بركات حروفِكَ تنتَعِشُ القضية.