​مسيرات العودة.. سلاح مؤثر يضعفه الانقطاع

السبت 07 أبريل 2018 08:44 م بتوقيت القدس المحتلة

انطلقت مسيرات تأكيد حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم يوم الجمعة الموافق 30 مارس/آذار 2018، متزامنةً مع يوم الأرض الفلسطيني. وسعت هذه المسيرات لإعادة الاعتبار لهذا الحق ووضعه -من جديد وبقوة- أمام العالم، وتأكيد أنه أحد الثوابت الفلسطينية التي طغت عليها دبلوماسية حل الدولتين.

منذ حوالي ثلاثة عقود وحق العودة مغيب إلى حد كبير من المؤسسات الفلسطينية والعربية عموما، وإذا حاز اهتمام القيادات الفلسطينية فإن ذلك يكون فقط بتصريحات إعلامية، لا يوجد لها صدى عملي أو متابعة سياسية ودبلوماسية على الساحة الدولية.

وبدا واضحا من نشاطات الفلسطينيين والعرب على الساحة الدولية أنه يتم التهرب من تأكيد حق العودة، وذلك بعدم جعل المسألة محورا لنقاشات بين الأطراف المعنية. وكأن العرب والفلسطينيين يحاولون تجنب إغضاب الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، ولذلك يركزون على إقامة الدولة.

بسبب هذه المدة الطويلة؛ غاب حق العودة عن الوعي العربي والفلسطيني عموما، وخاصة لدى الشباب الناهض الذي من المتوقع أن يكون مسؤولا عن القضية الفلسطينية مستقبلا. وتحول الوعي من مسألة حق العودة وحق تقرير المصير إلى حق إقامة الدولة، الذي لا يشكل ثابتا فلسطينيا لأنه مشمول في حق تقرير المصير.

وبسبب التركيز المستمر على حل الدولتين؛ أخذ الجيل الصاعد يظن أن لا حقوق للفلسطينيين إلا تلك المتعلقة بإقامة الدولة على الأرض المحتلة عام 1967. وغياب الوعي بهذه المسألة -التي تتعلق بملايين الفلسطينيين- أثّر سلباً على مكانة القضية الفلسطينية، وعلى قدرة القيادات الفلسطينية على حشد الطاقات على المستويين العربي والفلسطيني.

وعليه؛ فإن مسيرات حق العودة -وما يرافقها من صدامات بين السائرين والاحتلال الصهيوني- حيوية وضرورية، من أجل بث الوعي في صفوف الجماهير العربية والفلسطينية بالقضية، ودفع القيادات إلى إعادة النظر في المطالب المطروحة على الساحة الدولية.

إن أسوأ ما قد يسمعه الصهاينة هو المطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، على اعتبار أن هذه المطالبة تستهدف وجود الكيان الصهيوني نفسه؛ فالصهاينة يرون أن تنفيذ حق العودة يقلب المعادلة السكانية تماما ويحول الكيان إلى دولة فلسطينية، ويعرّض أمن اليهود للخطر مما يضطرهم للرحيل عن فلسطين.

إنهم ينظرون -بخطورة بالغة- إلى هذه المطالبة، ويعملون دائما على تجنب طرحها على المستويات العالمية والمحلية. ولهذا انهمك الصهاينة -ومن يؤيدهم على الساحة الدولة- في مشروع حل الدولتين الذي يغيّب الوعي ويقضي على حق العودة. وهم يرون أن مجرد الاعتراف بالكيان الصهيوني يكفي لجعل حق العودة ضربا من ضروب العبث.

والصهاينة يكرهون سماع حق العودة لأنه قضية لا يمكن أن يخسرها الفلسطينيون، وهي كفيلة بمحاصرة الكيان ومن يؤيدون أصحابه في غطرستهم واستمرار عدوانهم. حق عودة اللاجئين قضية رابحة على الأقل دبلوماسيا لأن كل الشرائع الدولية والاتفاقيات والمواثيق تقول بحق اللاجئ في العودة إلى بيته وممتلكاته، وعلى الدول أن تتبنى كل التسهيلات التي تعجّل عودة اللاجئين.

وبسبب أن قيم حقوق الإنسان تجتاح العالم منذ فترة؛ فإنه ليس من الوارد أن تسود جدلية رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين. ومن الصعب أن نجد دولة غير الكيان الصهيوني تجادل في حق العودة، وهذا الحق سيجد تأييدا ولو من طرف دوني من الولايات المتحدة.

والمفروض أصلا أن يتبنى الفلسطينيون فكرة حق العودة على حساب إقامة الدولة لأنهم بالتأكيد رابحون، وسيتخلصون من كذب العالم الغربي بشأن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم على حدود 4 يونيو/حزيران.

ولهذا وجدنا الصهاينة يستنفرون سياسيا ودبلوماسيا وإعلاميا قبل بدء المسيرات؛ فقد وظفوا إعلامهم بقوة لشرح الأهداف المسماة إرهابية للمسيرات، على اعتبار أنها في النهاية تهدف إلى القضاء على دولة الصهاينة وإخراجها من المنطقة العربية.

وتذرّع الإعلام الصهيوني بأن حركة حماس المصنفة إرهابية هي التي تقود هذه المسيرات، والإرهابي لا يتبنى إلا نشاطات إرهابية ضد الكيان. ونشط الكيان لدى الدول الغربية لمحاصرة فكرة حق العودة، وطلب من ممثلياته المختلفة شرح الموقف الصهيوني من النشاط الفلسطيني.

ولم يكن الكيان الصهيوني أقل حدة يوم انطلاق المسيرات، فأطلق النار على السائرين بطريقة هستيرية تنمّ عن رعب استبدّ به. لم يكن السائرون مسلحين، ولم تكن لديهم نوايا الاشتباك المسلح، لكن الكيان أطلق النار بهدف قذف الرعب في قلوب المتظاهرين. وهذا ما ينسجم تماما مع نظرية الصهاينة في إرعاب الخصم بقوة حتى لا يعود ثانية لممارسة نشاطات عدائية.

هناك مشكلة تعاني منها الساحة الفلسطينية وهي الانقطاع عن مواصلة النشاط؛ فحتى يؤتي النشاط أكله لا بد من مواصلته. وعادة يكون النشاط قويا، ويقدم الفلسطينيون التضحيات الجسام ولا يبخلون، لكنهم سرعان ما يملّون فيتوقف النشاط وتضيع فرصة تحقيق النتائج التي يرغبونها.

حصل هذا عام 1987 مع انتفاضة الحجارة التي لم تدم طويلا، واعترفت خلالها منظمة التحرير الفلسطينية بالكيان الصهيوني، وأهدرت ما كان يمكن أن تتمخض عنه التضحياتُ الجسامُ التي قدمها الشعب. وحصل أيضا هذا الأمر في العمليات الاستشهادية التي كان يشنها الفدائيون ضد الصهاينة.

فقد كان من الممكن أن تؤدي تلك العمليات إلى رحيل مئات آلاف بل ملايين الصهاينة عن فلسطين، لكن النفَس الفلسطيني لم يكن طويلا بما فيه الكفاية. والآن بدأ الحراك لصالح حق العودة، ولكي ينجح لا بد من توفر العناصر التالية:

1- لا بد من مواصلة النشاط وألا يكون موسميا؛ فالمطلوب هو تكرار الحدث شهريا على الأقل حتى لا يغيب عن الذاكرة الإعلامية والسياسية وعن الوعي الفردي والجمعي. النشاط الموسمي ثبت فشله، وهو بحاجة إلى إنعاش مستمر، ولهذا مطلوب من الفصائل الفلسطينية ألا تتباين مواقفها بخصوص حق العودة، وأن تشارك في النشاط وفق جدول متفق عليه ومعلن على الملأ.

2- يجب توسيع نطاق النشاط بحيث لا يقتصر على غزة؛ فغزة تشكل بيئة سياسية وثورية صالحة لنشاطات ضد الكيان الصهيوني، والمطلوب صياغة بيئات صالحة أخرى في كلّ أماكن وجود الشعب الفلسطيني، ويجب أن يشمل الحراكُ الضفةَ الغربية والأردن وسوريا ولبنان.

المؤسف أن غزة وحدها هي التي حملت النشاط على عاتقها، ولم نجد تضامنا فعالا من المخيمات الفلسطينية وعموم الفلسطينيين بعد أن اقترف العدو مجزرته. ارتقى عدد من الشهداء، وسقط مئات الجرحى، ولم نجد إلا هرولة إلى الأمم المتحدة التي لا تملك أدوات تنفيذية خارج الإرادة الأميركية، ويوم هناك إضراب بالضفة الغربية وحداد. هذا لم يكن كافيا، وكان بمثابة رد الملامة.

3- النشاط الجماهيري بحاجة لدعم المستوى السياسي لكي يحمل الهمّ إلى الدول المختلفة والمؤسسات الدولية. والمطلوب هو أن يلعب أصحاب المستوى السياسي دورا كبيرا بهذا الشأن، وأن يستبدل الإصرارَ على حق اللاجئين في العودة ببحثه عن الدولة.

وقد كان هذا الأمر مطلوبا بعد اعتراف الرئيس الأميركي بالقدس عاصمة للصهاينة، وذلك لإفساد كل المخطط الأميركية لتصفية قضية اللاجئين، ولتعطيل المخططات الأميركية الساعية لتصفية القضية برمتها.

البحث عن دولة سيكون له معنى عندما يعود الناس الذين من المفروض أن تكون الدولة لهم. وعليه؛ فإن الأولوية هي لعودة الناس لكي تكون هناك دولة. وكان من الممكن أن يشكل هذا الانعطاف في الحراك الدبلوماسي نقطة هامة في استعادة مكانة القضية الفلسطينية، وبحشد كافة طاقات الشعب الفلسطيني، ولتمكين الدعم العربي والإسلامي الشعبي للقضية الفلسطينية.

هناك من يجادل بعبثية النشاط، ويقول إن أضرارا كبيرة ستلحق بالشعب الفلسطيني دون جدوى، والدليل على ذلك ارتقاء الشهداء وسقوط الجرحى لتعود الأمور إلى ما كانت عليه. إن وقوع الخسائر في الجانب الفلسطيني لا مفر منه، وإذا كان الشعب لا يرغب في تقديم التضحيات فإنه لن يحرر وطنه ولن يحقق حريته.

يدفع الشعب الواقع تحت الاحتلال عادة ثمنا أعلى بكثير مما تدفعه الدولة التي تمارس الاحتلال، لكن في النهاية لا يقوى المحتل على البقاء بسبب ما يدفعه من ثمن فيقرر الرحيل، هكذا هي تجارب العالم التاريخية. لكن يجب -كما أشرت سابقا- أن تكون هناك مواصلة للنشاط، وأن يتسع مكانا وزمانا، وأن يحظى بدعم سياسي.