مناورتان في غزة.. نجاحٌ يُمهدُ طريق التنفيذ

الخميس 05 أبريل 2018 04:34 م بتوقيت القدس المحتلة

خلال سبعة أيام شهدت غزة التي تئنُ تحت وطأة حصار خانق، وبالكاد تنتزع أنفاسها بعدما ضيقت عليها أيادي كثيرة الخناق، حدثان كانا الأهم، وأعادا الاعتبار لها لتصدُر المشهد من جديد، بل وأديا لإعادة ترتيب أجندة التغطية الإعلامية للمئات من وسائل الإعلام الدولية.

في الوقتِ الذي انشغلت مُختلف الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية وغيرها، بالحديث عن "مسيرات العودة الكبرى" التي ينوي الفلسطينيون تنفيذها على امتداد السلك الزائل في قطاع غزة للمطالبة بتحقيق العودة وكسر الحصار، وبالتوازي مع المناورات العسكرية التي قامت بها قوات الاحتلال الصهيوني على مدار أيام وكانت هي الأوسع في تاريخها بالتعاون مع القوات الأمريكية، جاء إعلان كتائب عز الدين القسام عن أكبر مناورة عسكرية علنية يُجريها جناح عسكري على أرض فلسطين وبشكلٍ علني ومحدد الزمن والأهداف.

مناورة كتائب القسام على مدار أربعٍ وعشرين ساعة، اختبرت خلالها مختلف تخصصاتها وأسلحتها، ونفذتها بتنسيق عالي المستوى، لم تأتِ بهدف نزهة أو فُسحة للترفيه، فقد تمكن خلالها الجناح العسكري لحماس من تحقيق الكثير من المنجزات، كان من بينها:

1- اختبار مدى الاستعداد والجاهزية لأي مواجهة عسكرية مع الاحتلال الصهيوني، ودراسة مواطن الخلل لمعالجتها.

2- إحراج الاحتلال الصهيوني أمام جمهوره، وإظهاره "رغم علنية مناورات القسام" أنه غير قادر على إسكات المقاومة الفلسطينية.

3- اختبار العديد من الأسلحة التي تمتلكها الكتائب، من قبيل صواريخ جديدة، ومضادات للطائرات والزوارق البحرية، ومواجهة استيلاء قوات الاحتلال على مواقع استراتيجية... إلخ.

4- طمأنة الشارع الفلسطيني بتنظيم وثبات وتجهيزات المقاومة في ظل حالة الخوف التي انتابت البعض بفعل تكرار مناورات قوات الاحتلال على حدود غزة.

جاء يوم الجمعة فكانت المفاجأة لكل الأطراف، فقد وجد الفلسطيني ضالته في تلك المسيرات، وأثبتت غزة مقدرتها على صناعة الحدث وخلط الأوراق من جديد

5- توجيه رسالة للاحتلال بأن المواطن الفلسطيني الذي يُشارك في المسيرات السلمية الشعبية على السلك الفاصل، ليست خطوة نابعة من ضعف، وأي تجاوز للخطوط الحُمر بحق المواطن الفلسطيني لن تسكت عندها المقاومة الفلسطينية، أو تقف صامتة أمام قتل قوات الاحتلال الصهيوني للفلسطينيين وإراقة دمائهم بغزارة.

6- أظهرت هذه المناورات هشاشة المنظومة الأمنية الصهيونية، فهي وقفت صامتة أمامها دون أن تجرؤ على مواجهتها، كما أن نظام القبة الحديدة أظهر هشاشته في مواجهة رصاصات لكتائب القسام، وليس أمام صواريخ!!. بهذا الأمر تكون كتائب القسام أسقطت المنظومة العسكرية الصهيونية في فخٍ لم تحسب له الحساب جيداً.

هذه المناورات العسكرية لكتائب القسام، تلاها مناورات لأوسع انتفاضة سلمية شعبية سلاحها القرارات الدولية بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التي طردهم منها الاحتلال الصهيوني قبل نحو سبعين عاماً. كانت بداية اشتعال انتفاضة مسيرة العودة الكبرى يوم الجمعة الماضي الثلاثين من مارس، كبداية لفعاليات تمتد حتى الخامس عشر من مايو المقبل "ذكرى نكبة فلسطين"، حيث ستكون ذروة تلك المسيرات في ذلك الموعد، كان رهانٌ كبير بين الاحتلال واللجنة التنسيقية لهذه المسيرات، فالاحتلال سعى بكل ما أوتي من قوة وبوسائل التهديد والوعيد لمن يوفر نجاحاً لهذه المسيرات، للضغط عليه بعدم إنجاح المسيرات، والحديث عن عدم جدواها والقيام بحملة حرب نفسية وتهديد بقتل المشاركين.

أما المنظمون فكان الرهان لديهم بنجاح مائة ألف في أفضل الأحوال للانخراط في مسيرات يتم تنظيمها على خمس نقاط في قطاع غزة تبتعد مئات الأمتار عن السلك الزائل، وكانت حالة خوفٍ شديد على القائمين بعدم اقتناع الجمهور الفلسطيني بالمشاركة في هذه المسيرات، خاصة في ظل تشكيك شريحة فلسطينية من أصحاب خيار "التسوية السلمية" مع الاحتلال بجدوى هذه المسيرات.

جاء يوم الجمعة فكانت المفاجأة لكل الأطراف، فقد وجد الفلسطيني ضالته في تلك المسيرات، وأثبتت غزة مقدرتها على صناعة الحدث وخلط الأوراق من جديد، في وقتٍ ارتفعت فيه أحاديث أطراف دولية لتمرير حلول تقضي على ما تبقى من القضية الفلسطينية. شكلت الأعداد التي شاركت في مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار، نجاحاً غير متوقع للمنظمين والقائمين على المسيرة، وصدمةً غير متوقعة كذلك للاحتلال الإسرائيلي الذي عقدت قيادته اجتماعين للمجلس الأمني المصغر "الكابينت" لمناقشة سيناريوهات التعامل مع تلك المسيرات، كما منعت إجازات الجنود والضباط للاستمتاع بإجازة الأعياد اليهودية.

الفشل الإسرائيلي في التعامل مع تلك المسيرات ظهر في الساعة الأولى من بدايتها، وتمثل في الاستخدام المميت للقوة من جانب جنود الاحتلال بحق متظاهرين سلميين لا يحملون سوى أعلام فلسطين بأيديهم، ويبتعدون مئات الأمتار عن السلك الزائل، فقتلت منهم وجرحت المئات، لكن ورغم هذا الموت الذي وجده الفلسطيني من قبل قوات الاحتلال، إلا أنه قرر الثبات في مخيمات العودة التي تم إقامتها على حدود قطاع غزة، بل والزيارة اليومية لتلك المخيمات والمبيت فيها، واستمرار جلب وسائل الإعلام إليها.

أمام مناورتين ناجحتين دارت أحداثهما في غزة، ينبغي على مُختلف الأطراف إدراك أن مسيرات الجمعة إنما كانت مجرد بروفة مُصغرة، ومصغرة جداً لما يسعى الفلسطيني لتحقيقه في الخامس من مايو المقبل، خاصةً في ظل إدراكٍ بين جموع الفلسطينيين أن السبب الأول في المعاناة والحصار وتدنيس القدس وزيادة وتيرة الحديث عن صفقة القرن بما تحمله من تصفية القضية الفلسطينية، إنما هي نابعة من مأساة اللجوء وسرقة الأرض الفلسطينية قبل سبعين عاماً وطرد أهلها منها، ولن تزول أشكال معاناة الفلسطيني إلا بزوال السبب، ولا سبب لهذه المآسي الفلسطيني إلا وجود "إسرائيل" جاثمة على أرض فلسطين.

إن مسيرات الجمعة ينبغي أن تضع كافة الأطراف الدولية أمام مسئولياتها، وليس المطلوب من تلك الأطراف استمرار الحديث عن موت غزة، وصعوبة أوضاع العيش فيها، إنما المطلوب التحرك العاجل لإعطاء الفلسطينيين حقوقهم التي أقرتها كافة القوانين الدولية. ينبغي أن ندرك بأنه ما كان محظورا في مسيرات العودة الكبرى يوم الجمعة الثلاثين من مارس، لن يكون كذلك حتما خلال تمدد المسيرات، واعتمادها وسائل جديدة، وصولاً إلى ذروة تلك المسيرات في الخام عشر من مايو المقبل.