الشيخ أحمد ياسين.. الجذر إذا عظمت الشجرة!

الأحد 25 مارس 2018 12:32 م بتوقيت القدس المحتلة

صور

ربما كنت قد تجاوزت العاشرة من عمري حينما حفظت نصًّا مرقومًا على صفحة الغلاف الخلفية من مجلة "فلسطين المسلمة" ثم تلوته غيبًا في الإذاعة المدرسية.. بعد أكثر من خمسة وعشرين عامًا التقيت كاتب النصّ الذي جاء إلى رام الله في فلسطين في فعالية ثقافية، صافحته وتعارفنا، قلت له: "تربينا على كتاباتك". انتشى الرجل واتّسعت ابتسامته. قلت له فما بدا له مكرًا مقصودًا: "ولكن على صفحات فلسطين المسلمة". انكمش، ثمّ قال: "على أي حال، تجاربنا جزء من تاريخنا، كلّنا نجرّب ونغيّر". قلت له: "دعني أشكرك.. أهديت لي في طفولتي كنزًا ثمينًا.. لا أدري إن كان هذا يزيد حرجك، أم يسرّك، ولكنّ نصًّا قديمًا لك، ملأ طفولتي بالبهجة، ولم تزل كلمات منه تتشبث بها ذاكرتي". كان ذلك النصّ عن الشيخ أحمد ياسين.

على صحّة الشيخ وشيخوخته، كنّا نرجو له كرامة مدّخرة من الربّ جلّ وعلا، تُضاف إلى ما حسبناها صدّيقيّته، فلما استُشهد وكنا في سجن النقب، لا أذكر اسم القسم ورقمه، فذاكرتي في هذه التفاصيل شحيحة، لم يُذهل المعتقلون رغم حزنهم الذي أخرجهم من خيامهم إلى الساحات فاقتلعوها، والأسلاك فاجتثوها، وظلّوا يرجمون إدارة السجن من "أسفلت" الساحات المخلوع، والإدارة تنسحب امتصاصًا للموقف.. كتبتُ حينها كلمة المعتقلين حول الحدث، أمّا لمّا استشهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي فلم أقوَ على كتابة كلمة واحدة.. صدمتان متتاليتان، وقائد جديد قويّ لم ينه عقده السادس بعد، إلا أنّني بعد سنوات بدا لم من شأن الشيخ أحمد ياسين ما لم يكن قد ظهر من قبل، حتى أنّني الليلة أرقت فيها كلّها، وعجزت عن كتابة شيء في ذكراه، إلى أن تحاملت على نفسي، مثخنًا بالسهر والتعب، وانتسخت من ذاكرتي محض صور، ورسالة اصطنعتها نفس مفجوعة!

كنت طفلاً في ثمانينات القرن الماضي والنّاس من الضفّة الغربية يمكنهم الذهاب إلى غزّة واللقاء بالشيخ، وقد صار الشيخ أسيرًا لمّا كبرت قليلاً، والتواصل بين غزّة والضفّة مستحيلاً بعد أن أفرج عنه، إلا أن الشيخ ظلّ يُندِّي أحاديثنا ونحن صبية، وهو يُظلّل المجاهدين الساعين في فكاكه، المستضيئين بصبره، النابتين على جذره، الناسلين من عزيمته، القابضين على جنود العدو الأسرى.. أيام سمر وافتخار، ونحن نرقب بقية الشيخ من أبنائه، يقبضون على نخشون فاكسمان، يطلبون حريّة الشيخ ثمنًا للجندي الأسير..

قد عشت عمري كله باحثًا عن الأب المفقود والأخ الكبير غير الموجود، وعن واعظ في نفسي لا يشحب، وعن بشر من لحم ودم يشرق على ظلماتي

الرسالة

في الغالب الحظّ الوافر من أبصارنا وإدراكنا يكون لجسد الشجرة الظاهر، الجسد الضخم الممتد، والجنود الذين يملؤون عين الشمس، والحركة التي يُطبق ذكرها على جهات الأرض الأربع؛ بعدما كانت حفنة من الناس، وبندقية قديمة يتيمة، فيغيب الجذر، إلا أنّه كلما تعالت الساق، والتفت الأغصان، وتعاظمت الشجرة، غار الجذر أكثر، وازداد الاحتياج إليه، لكثافة القيم الأساسية، والمعاني الضرورية التي فيه، وأصالتها ونقائها.

ولمّا كان الأمر كذلك؛ كتبتُ كلمة للشيخ قبل يومين، تبدو خاصّة جدًّا، ولكنّها أعمّ مما يظهر، قلت فيها: " أنت عظيم دون حبّي وفي غنى عن أيّ مكانة في نفسي، إلا أنّني بحاجة لأن أقول إنني في كل يوم أكتشف ما كنت أجهله من عظمتك في نفسي، أو في كل يوم يَتخلّق في نفسي تعظيم لك متجدد، محبة تزيد ولا تنقص، وأكتشف فيك أكثر معنى الوالد والشهيد..

أنا في حاجة لذلك لأجل نفسي لا لأجلك، لأجل مثال يَعظُم فيّ كل يوم، لا يبهت ولا يذوي، لقد عشت عمري كله باحثًا عن الأب المفقود والأخ الكبير غير الموجود، وعن واعظ في نفسي لا يشحب، وعن بشر من لحم ودم يشرق على ظلماتي، وعن يد حانية تمسح سواد نفسي وتُطبِّبُ أوجاع قلبي وترحم بؤسه وعجزه وضعفه، وعن برهان يستضيء به عقلي ويطرد عنه الغيّ والضلال ويضيء فيه بالرشد، عن منارة في ظلمات حيرتي، عن وجه ودود يواسني في خيباتي من نفسي ومن الآخرين، ويقول لي إن الخيبة ليست قدرنا في الضعف، وإن المخذول من خذل نفسه لا من خذله الآخرون..

إنك وأنت الذي يفيض بمعنى الشهيد، إذ يجتمع فيك من معنى الشهيد ما تفرق في غيرك من الشهداء، فلا يجتمع في غيرك منهم ما اجتمع فيك، وتشتدّ فيك بلاغة الموعظة، وتنجلي فيك حكمة الاتخاذ كشمس الضحوة في حرّ تموز لا يشكّ فيه مبصر ولا أعمى، إذ يضرب الله للمؤمنين وللناس الأمثال، بكلامه، وبالمتّخذين من عباده، إنك وأنت كذلك، وفوق ذلك الدواء الذي لا ينضب من نفسي، لكرمك لا لاستعدادها، يزيد وإن شحّت نفسي، يبلغ وإن قصرت، يعطي وإن أجدبت، لا يعجز إن أعجزت، ولا يكفّ عنها وإن تقهقرت، ويصطبر عليها وهي لم تزل تتولى القهقرى.. إنك وأنت كذلك، فإنني لم أزل في حزني، حزني على نفسي، كيف وأنت الحُجّة البالغة، يقوم بك ما لا يقوم بغيرك، وأنت بما أنت مما قيل ولم يُقل؛ الشهيد عليّ، إذ تَعْظُم في نفسي كلّ يوم فتَعْظُم حُجّة عليّ وتَعْظُم شهادتك عليّ، ومع أن الحُجّة داحضة والشهادة سالبة، فعزائي أن هذا الكرم الذي لم ينقطع عن نفس مجدبة، لا بدّ وأن يثمر.

إلى الشيخ أحمد ياسين."