خمس دقائق تكشف الوجه الحقيقي لـ "إسرائيل"

الإثنين 19 مارس 2018 10:48 ص بتوقيت القدس المحتلة

خمس دقائق تكشف الوجه الحقيقي لـ "إسرائيل"

بقلم المدون الصحفي: خلدون زكريا مظلوم

لا يحتاج الاحتلال "الإسرائيلي" لأدلة وبراهين، أو ارتكاب جُرم هنا وآخر هناك، كي يُثبت لنا وللعالم أنه مجرم، ويتعامل بعنصرية فاقت تلك التي سادت في جنوب إفريقيا (1948- 1994)، وهزمها غاندي وإصرار الشعوب على التحرر والحرية.. ومن صُدف التاريخ، أن نظام "الأبرتهايد" أو السياسة العنصرية، هو تركة الاستعمار البريطاني الذي أدخل نظام إصدار القوانين في مستعمرة الكاب (الإقليم الأم لجنوب إفريقيا) ومستعمرة ناتال (من أصغر المقاطعات في جنوب إفريقيا) خلال القرن التاسع عشر، ووجود الاحتلال في فلسطين أوجده وعد بلفور البريطاني للحركة الصهيونية؛ وفيه أرسل آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد رسالة يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

ولكننا نحن الفلسطينيون نُدرك تمامًا أن العصابات الصهيونية التي جاءت من شتى بقاع الأرض لفلسطين، وكانت أساسًا لوجود الاحتلال، ما هي إلا دليل بسيط على الوجه الحقيقي للكيان "الإسرائيلي"، الذي أوجده الغرب في الشرق الأوسط منذ عام 1917.

وعملية اعتقال عمر الكسواني؛ رئيس مجلس اتحاد الطلبة بجامعة بيرزيت، إلى الشمال من مدينة رام الله (وسط الضفة الغربية المحتلة)، كانت كافية كـ "جُرم إسرائيلي" لكشف الوجه الحقيقي لدولة الاحتلال من عدة نواحي، أولها انتهاكها المتواصل للمواثيق والأعراف الدولية؛ لا سيما تلك التي تتعلق بحق الحصول على التعليم وحرية الرأي والتعبير، وثانيها تصرفها كـ "دولة" مارقة وفوق القانون دومًا، وهذا ما كان ليحدث لولا غياب المُحاسبة الدولية الفعلية لتل أبيب.

دخول قوات الاحتلال لحرم جامعة بيرزيت وتعاملها بتلك "الهمجية" والعنف، يُشير لمدى ضعف الاحتلال واهتزاز جيشه، الذي فشل في اعتقال الكسواني، الطالب المدني، أكثر من مرتين

في الـ 7 من شهر (آذار/ مارس) الجاري، داهمت وحدة من القوات الخاصة الإسرائيلية "المستعربون"، قوامها الظاهر كان 5 عناصر، واعتقلت الناشط النقابي الطالب في جامعة بيرزيت "عمر الكسواني"؛ والذي كان مطاردًا لقوات الاحتلال منذ أربعة أشهر.. قبل الخوض في التفاصيل لازمًا علينا أن نعلم أن قوات الاحتلال لا تدخل أي منطقة لتنفيذ عملية ما إلا وتكون قد أمِنَتْ العقاب وشرّ الحساب، وهي بدخولها للحرم الجامعي في بيرزيت وإطلاق الرصاص وترويع الطلبة وتعريض حياة آلاف المدنيين لخطر حقيقي، كانت تعلم مسبقًا أنه لن يكون لعمليتها أي تداعيات، إلا وقفات وبيانات تُندد بجرمها.

استغرقت عملية المستعربون داخل بيرزيت، وفق روايات شهود العيان، خمس دقائق أو زد عليهن دقيقتان، وقلة الدقائق وقُصر المدة الزمنية لتنفيذ العمليات (سواء حققت الهدف أو فشلت) هي ما يظهر دومًا في عمليات القوات الخاصة "الإسرائيلية".. ولكن هذه المرة "الهدف" (المعتقل الكسواني) حاول تأخير تنفيذ العملية قبل أن يتم الاعتداء عليه بالضرب المبرح وسحله، إن جاز التعبير، للمركبة التي كانت تنتظر في الساحة الغربية لجامعة بيرزيت (خارج الحرم الجامعي)؛ قبل أن يدرك الطلاب ما حصل ويشتبكوا بالحجارة مع قوات عسكرية أخرى مُدججة بالسلاح، كانت في المكان لتأمين حماية عناصر الوحدات الخاصة والذين تخفوا بزي مدني.

دخول قوات الاحتلال لحرم جامعة بيرزيت وتعاملها بتلك "الهمجية" والعنف، يُشير لمدى ضعف الاحتلال واهتزاز جيشه، الذي فشل في اعتقال الكسواني، الطالب المدني، أكثر من مرتين، ويُؤكد أن "إسرائيل" تبحث عن "نصر وهمي" ولو على حساب صورتها، المهترئة أصلًا، أمام المجتمع الدولي.

ما حدث في بيرزيت وما مثّله ذاك الحدث من إرهاب دولة منظّم، وغطرسة لا سابق لها، يُؤكد بما لا يدع مجالًا للشك بأن الاحتلال (إسرائيل) آثرت قواته الإمعان في جرائمها عبر ممارسة انتهاك مزدوج بحقّ الصحافة والتعليم العالي في آن واحد؛ اعتقال طالب من الحرم الجامعي وتهديد حياة زملاءه وقبل ذلك انتهاك حرمة الجامعة وحرمة الصحافة معًا بعد أن تقمّص مستعربون من جيش الاحتلال شخصيات صحافيين، واعتقلوا رئيس مجلس الطلبة بعد الاعتداء عليه بالضرب المبرح.

ولا بُد من الإشارة إلى أن جرائم الاحتلال بحق الجامعات الفلسطينية؛ وخاصة جامعة بيرزيت، قد تكررت كثيرًا، لا سيما منذ اندلاع "انتفاضة القدس" في الأول من أكتوبر 2015، مع العلم أنها تعرضت لعدة عمليات اقتحام ودهم بآليات ومركبات عسكرية رافقها مداهمة مخازن الحركات الطلابية ومصادرة محتوياتها، وتكرر هذا المشهد في بيرزيت وأبو ديس وخضوري وغيرها.

تواصل "الصهيونية" سياستها الممنهجة والقائمة على استهداف العملية التعليمية والمؤسسات التربوية العربية والفلسطينية، في مخالفة صريحة ومتعمدة للقانون الدولي والدولي الإنساني

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، لا بد من الإشارة إلى أن قوات الاحتلال اعتدت بشكل سافر على حرم جامعة فلسطين التقنية "خضوري طولكرم" وعلى فرعها في العروب قرب الخليل، بالإضافة للتضييق على الأكاديميين من حملة الجوازات الأجنبية؛ وهو ما اعتبرته وزارة التعليم الفلسطينية "أن الاحتلال قد وضع التعليم، وخاصة التعليم العالي، في دائرة الاستهداف المستمر".

ووفق معطيات فلسطينية رسمية، نشرتها وزارة التربية والتعليم العالي في رام الله، مؤخرًا، فقد بلغ عدد الطلاب المعتقلين في سجون الاحتلال أكثر من 340 طالبًا وطالبة؛ آخرهم عمر الكسواني ويوسف الشايب من جامعة بيرزيت، والطالبة في جامعة النجاح الوطنية علا مرشود (21 عامًا) من مدينة نابلس واعتقلت في 11 مارس الجاري.

وأفادت ذات المعطيات، بأن 80279 طالبًا، و4929 معلمًا، قد تعرضوا لاعتداءات متكررة من جيش الاحتلال والمستوطنين؛ تنوعت ما بين ارتقاء طلبة شهداء وسقوط جرحى في صفوفهم، واعتقال آخرين وفرض الإقامة الجبرية على بعضهم، (...)، وكان تسعة من الشهداء عام 2017 من الطلاب.

وأيضًا، فإن سلطات الاحتلال تشنّ هجمة شرسة على التعليم في القدس المحتلة، والتي تندرج في إطار محاولات "احتلال الوعي"، وفصل الأجيال الفلسطينية في المدينة المحتلة وضواحيها عن تاريخها وثقافتها وحضارتها وقيمها.

استهداف التعليم؛ بما يمثله من مدارس وطلاب ومعلمين وإداريين، هو سمة أساسية للاحتلال الذي يُريد أن يجعل من الطلاب أجيالًا "جاهلة" تنسى فلسطين تاريخًا وواقعًا، (...)، وليس القتل والاعتقال والاعتداءات اليومية هي فقط أساليب الاحتلال لذلك، وما يُسمى "البجروت" ومحاولة فرض المنهاج العبري على مدارس القدس الفلسطينية إلا سببًا آخر لكي نعلم أن العملية التعليمة مستهدفة بكل محتوياتها.

أخيرًا، لا بُد من الإشارة إلى أن "الصهيونية" بمختلف تياراتها ومسمياتها، ومنذ احتلالها لفلسطين، تواصل سياستها الممنهجة والقائمة على استهداف العملية التعليمية والمؤسسات التربوية العربية والفلسطينية، في مخالفة صريحة ومتعمدة للقانون الدولي والدولي الإنساني، ومؤخرًا انتهجت قوات الاحتلال ضرب الحركة الطلابية، التي خرج من رحمها قيادات وجنود حاربوا المحتل وأثخنوا فيه الجراح، ودليل ذلك "صرح" الشهداء وسط جامعة بيرزيت؛ والتي تأسست قبل أكثر من 40 عامًا.