قبل أن يجد باسل أجوبته.. قطعة من جمر الذكريات

السبت 17 مارس 2018 05:47 م بتوقيت القدس المحتلة

إنْ كنتَ ترى أن الأفكار التالية غير منتظمة، فابحث عن ناظمها المرسوم بالحبر السرّيّ!

(1)

إنّ بعضًا من هذه الأحداث قد جرت قبل أن أعرف باسل ورحلته في البحث عن إجابات لأسئلته، فهي مُقدِّمة من سيرَةِ أحدهم، يرويها عن نفسه فيقول:

كنتُ معلَّقًا على باب الزنزانة الحديدي، باب مكشوف، من قضبان حديدية متصالبة، يحجزني داخل زنزانة أصغر من فرشة تفيض على أرضيتها، وبالرغم من الضرب المتواصل على رأسي من خلف قضبان الزنزانة، أنا داخلها والسجان خارجها، وبالرغم من الضرب على فخذي اليسرى المثنية إذا علقوني بشُبّاك الممر الواسع، "مشبوحًا" جذعي لأعلى، وقدمي اليمنى وحدها على "صَرَار"، أيْ حجارة صغيرة تفصل قدمي عن الأرض، والماء المُثلّج، في ليلة باردة من ليالي رام الله الصيفية، يُصَبُّ داخل ملابسي، كلما طلبتُ ماء للشرب.. بالرغم من ذلك، كنت أشعر بالمعية، وانشراح هائل في الصدر، وأحسب أني وجدت أجوبتي!

أمّا وقد أُنْزِلْتُ لغرفة جماعية فيها أخلاط الناس، من أعرف ومن أجهل، ومن يشبهني ومن يختلف عني، فقد وجدتُ الكل مختلفًا عنّي، إذ إنني كنتُ الوحيد من بينهم كلهم المعروض للمحاكمة العسكرية، أمّا هم، كلهم، فينتظرون قرارًا بالإفراج بين يوم وآخر، بين شهر وآخر، ولما وجدتُ الكلّ مختلفًا عنّي أخذتُ أسأل الجميع، ملتمسًا من له أدنى دراية بما يعنيه أن أكون من بينهم كلّهم معروضًا على المحكمة العسكرية، وإن كان هذا يعني طول مكث لي في السجن أم لا.. ولا إجابة عند أحد، لا عند رفقاء الغرفة، ولا عند السجانين، ولا عند الضباط والمحققين.. لا أحد يعرف!

لم يكن باسل شوفينيًّا فلسطينيًّا. في واحدة من منشوراته على صفحته على الفيسبوك، ينتقد الترويج للمتسابقين الفلسطينيين في برنامج "عرب آيدل"، يقول إنّ هذه البرامج ترسخ مفهوم الدولة القطرية

دخل رمضان، وصرتُ، وحيدًا من بينهم تقريبًا، أحيي، ليلي كله بالقيام والدعاء، أصلّي على الفراش إذ لا مجال لإزاحته عن بلاط الغرفة الصغيرة المكتظة، لكنّ صدري، والحقّ أقول، بدا لي مقفلاً، وكأنّه صُبّ بالباطون المرصوص حتى أغلقه، بلا فراغات ولا مساحات ولا منافذ، يختنق دعاؤه فيه، ولا شيء من الرحمة ينفذ إليه، والشيء الوحيد الذي تردّد فيه أن الفرج بعيد والاستجابة مؤجّلة، وقد رأيت في منامي، أنني أسير في طريق طويل، أحد طرفيه جدار بالغ الارتفاع متصل على طول الطريق، وطرفه الآخر أشجار صبّار كثيفة متّصلة على طول الطريق! 

في كل أسبوع من رمضان يُفرج عن مجموعة من رفقاء الغرفة، وعزيمتي في القيام والدعاء تفتر، حتى إذا ما بلغ نهايته كادت أن تتلاشى، أو تلاشت، حتى أفرج عن آخر واحد ظلّ معي إلى ليلة العيد، ليأتي العيد عليّ وحيدًا في السجن، لا سجين ولا سجان، ولا أحد من البشر، سوى النفر القليل من السجانين المناوبين.. اتسعت الغرفة، وفضاء فارغ صارت الزنازين المجاورة، ولا صوت يأتي من مقرّ الجهاز الأمنيّ والمكاتب، وحدي في هذا الفراغ، الفراغ الخانق، الفراغ الذي يرتدّ إلى صدري مزيدًا من التسكير المحكم، والرصّ القاسي للباطون المصبوب فيه، كأنك وحيد في صحراء واسعة، لكن الموت حتم، والنجاء عدم!

أمّا وقد حُكِمْتُ في المحكمة العسكرية ثلاث سنوات، ونُقلْتُ إلى سجن في أريحا، ووجدت هناك من سبقني ممن يشبهني، ومن أعرفه ويعرفني، ويعيش في جحيم وقوده أخلاط الناس وتجبّر السجان والظلم المصبوب والرعب المزمن الملازم الساكن في كل زاوية، وفي كل عين طارفة، وفي كل رجفة كلام، وفي صوت سيارة مدير السجن كلما جاء، وبين أخلاط الناس، بين القليل من أشراف الناس وبين رفاقهم الذين أكثرهم مخبرون عليهم!

أما وقد نُقِلْتُ إلى هناك، ووجدتُ من يشبهني، ويعرفني، فقد استقبلوني بقولهم: "هبطت علينا من السماء"، وصبّوا عليّ أسئلتهم: لماذا نحن من دون الناس؟! لماذا نحن قلّة الذين أُحلنا إلى محاكم عسكرية وأُلقينا في قلب هذا الجحيم؟ لماذا ندعو ولا يستجاب لنا؟ هل حقًّا إن الأنبياء هم أشدّ الناس بلاء؟ هل ابتلوا بمثل ما ابتلينا به؟ وأسئلة من هذا النوع، دفعتني للتنقيب داخل صدري الموصد بالباطون، واستخراج الإجابات من داخلي، والحقّ أن الدوامة كانت في رأسي، هو الذي يشتغل، ويفتعل الإجابات، تخفيفًا عن الأصدقاء، أما التنقيب في صدري، فقد ظلّت الخرسانة المصبوبة فيه أقوى من طاقتي!

ظروف قادتني لسجن آخر، أنا فيه وحيد بلا شبيه، وإن كان معي أخلاط الناس، أُعلّمهم الوضوء والصلاة، ويأتيني السجانون يسألونني في الأحكام الشرعية وفي السياسة، وحتى في تفسير الأحلام، لا رفيق دائم لي، سوى المصحف، ورياض الصالحين، وصحيح البخاري الذي اهترأت نسخته في يدي، وما سوى ذلك كتب تدخل وتخرج مع أهلي في زياراتهم الأسبوعية لي، لا نافذة إلى العالم سوى راديو ترانزستور، والصحف اليومية، جاءني رمضان آخر، ثم رمضان آخر في المكان نفسه، صلّى بعضهم معي التراويح..

أسئلة كثيرة عن المعنى، والجدوى، والوجود، والحكمة، أنا أسألها لنفسي.. لا إجابات، حركات تشحبُ فيها الروح، إجابات على الناس من رأس يحفظ ما يقول.. حتى إذا رأيتني في منامي أتلو قوله تعالى: "وَالْعَصْرِ (*) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (*) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (*)"، وصوت يسألني "لم قدّم التواصي بالحق على التواصي بالصبر"، وأنا أجيب الصوت، وانتبهت من نومي وأنا كذلك، وقد ذابت صبّة الباطون التي جُعلت من قبل في صدري!

لكن هل وجدتُ أجوبتي حقًّا؟!

(2)

يقول الشهيد باسل الأعرج في وصيته: "وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدتُ أجوبتي"، وعلى الغلاف الخلفي للكتاب الذي وَثّق كتابات باسل وبعض ما كُتب عنه وإليه، جُعلت هذه الكلمات التي سبق وكتبها باسل: "أنا جيد، أعاني قليلاً من الوحدة والاغتراب، يبدو أنه أصبح مألوفًا عندي لدرجة أنه لم يعد غريبًا عليّ، القرارات الصعبة تحتاج يا عزيزي إلى حزم وجزم".

كان باسل باحثًا عن الإجابات، ويعاني من الغربة، ووجدت أبا إسماعيل الهروي، صاحب منازل السائرين، قد جعل أعلى مراتب الغربة، هي غربة الهمّة، وعرّفها بأنها غربة طلب الحق، وقال إنها غربة العارف، وعجبت لهذا التوافق العجيب بين كلام باسل أعلاه، الذي يعاني الغربة، والذي هو يبحث عن الإجابات، والذي ينصح بالحزم والجزم، وبين كلام الهروي هذا، ثم وجدت ابن القيّم في شرحه لكلام الهروي يقول: "فإنّ همة العارف حائمة حول معروفه"، وأمّا معروف باسل الذي يُتمم به كلامه أعلاه في نصيحته لصديقه كي يخفف من ألمه ويحلّ له أزمته الوجودية، فهو فلسطين، تدور حولها همّته، إذ يقول: "دع فلسطين أمام عيونك".

لم يكن باسل شوفينيًّا فلسطينيًّا. في واحدة من منشوراته على صفحته على الفيسبوك، ينتقد الترويج للمتسابقين الفلسطينيين في برنامج "عرب آيدل"، يقول إنّ هذه البرامج ترسخ مفهوم الدولة القطرية، ويلاحظ شوفينية فلسطينية في الترويج للمتسابقين الفلسطينيين، ولذلك فإنّه يصوّت لحذاء الدقامسة الأردني، ولا يصوّت لأكبر رأس مشارك في هذه البرامج، إنما فلسطين هي قضية سامية، قيمتها في عدالتها، وفي دلالاتها، وفي أبعادها، لا في حدودها القطرية، أو في جنس شعبها!

ولما كان الأمر كذلك، لم ينشغل تقريبًا إلا بفلسطين، لهذه الأسباب، وليس لأي سبب مرتبط بالقطر أو بقومية فلسطينية، فـ 27 دراسة حواها كتابه المشار إليه كلها عن فلسطين، وكذا منشوراته التي ما تقصيتها بعد، وهذا شأن العارف، فقد قيل "إنّ العارف ابن وقته"، ووقت باسل كان هو الوقت الفلسطيني، وكتاباته صبّها في واجب الوقت، وحياته أنفقها في واجب وقته، وواجب مكانه، وواجب دوره، وحيثما أملت عليه إجاباته.

أمّا وقد استشهد باسل، وكتب قبل شهادته أنه يسير إلى حتفه، مقررًا أنه وجد إجاباته، فهذا يعني أنه تجاوز مقام الطلب إلى مقام الوصول للمطلوب، فارتقى عن العلم إلى المعرفة، وقد قيل "إنّ العلم يقيّد صاحبه والمعرفة تطلقه" فالعارف يضيف إلى علمه الذي حصّله في الطريق، معرفته التي حصّلها بالتجربة، فلما كان الأمر كذلك تجاوز باسل ما نحن نرسف في قيوده، وقد قيل "إنّ العارف يقطع الطريق بخطوتين خطوة عن نفسه وخطوة عن الخلق"، وأحسب أن الشهداء، من أعظم تجليات المعرفة، التي يقطع الله بها الطريق للخلق "وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ"، فالشهيد لا يقطع الطريق بنفسه لنفسه فحسب، ولكنه يفتحها للآخرين ويدلّهم عليها ويقطعها لهم!

كنّا نتبادل مع باسل أحاديث كثيرة، نجلس ونأكل ونشرب، ونحكي عن فلسطين، وبعضنا كانت له تجارب أطول من باسل وأعرض، ولكنّ بعضنا ذاك لم يصل لإجاباته، أمّا باسل فقد وصل لإجاباته، بعد مطاردتين قصيرتين واعتقال قصير لدى السلطة، فعلمنا أنه كان بيننا ومعنا ومنفصلاً عنّا، أو كما قيل في وصف العارف إنّه "كائن بائن"، كان بيننا وبائنًا عنّا، وبلغ ما لم نبلغه.

(3)

عاد صديقي الراوي ليحدّث عن نفسه ويقول، إنّ المعرفة ليست إجاباتي تلك المحفوظة التي كنت أردّ بها على أسئلة المعتقلين والسجانين، وإنّ ذوبان الخرسانة التي أغلقت صدري، ليست معرفة، ما لم يتبعها حزم وجزم، وإنني وإن كنت مغتربًا، فإنّها ليست غربة حال ولا غربة همّة، وإنما غربة تردّد وحيرة وعجز، إنّني كائن غير بائن، وإنما كائن متردّد في بينونته، إنّك تشعر بلا جدوى ما تفعل، وتكفّ عن كثير مما تفعل، ثم لا تهتدي إلى السبيل الموصل للمطلوب الذي تعلمه!