سويعات في نفق القسام!

الأربعاء 14 مارس 2018 09:21 م بتوقيت القدس المحتلة

سويعات في نفق القسام!

بقلم الصحفية: هنادي نصر الله

إذ نحنُ في الغارِ أو في الكهفِ أو في الخندق أو في النفق، لا يهمني التوصيف الدقيق للمكانِ الذي عشتُ فيه سويعاتٍ من عمري، سويعاتٌ لا تُقدرُ بالثمن، بل بقيمتها المعنوية والتاريخية والإنسانية، بما حققته لي من تأثيرٍ وهبني إياه رب الكون جل في علاه، فقد أحسنَ بي كثيرًا كثيرًا حينَ جعلني على ثغرٍ من ثغورِ المقاومة، ما أجملَ اللحظةِ الأولى لحظة عناقِ قدميّ لسُلم النزول، تاالله لقد آثرني الله على كثيرٍ من صديقاتي بأن خصني بهذه المهمة، التي طالما رأيتُ نفسي في منامي أُنجزها، فأن أكونَ هناك شرفٌ قلما يتكررُ في حياتي.

يُنجزون بصمتٍ فيه هيبة ووقار، سكينةُ المكان أسرَتني وكست لحمي وسرتْ في دمي، فأنستني الدنيا بكلِ ما فيها، ولم أستحضر في حضرةِ هيبتهم وسطوةِ آلاتهم البدائية التي تضربُ قاع الأرض، وتحفرُ أنيابها في الصخر، لتُعبدَ الطريق نحو تحرير فلسطين، سوى معلمنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يتعبدُ في غار ثور ويواسي صديقَ عمره ورفيق دربه أبو بكر الصديق، فلم يُعانقني قوله تعالى في محكم التنزيل "إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا" لم أستشعر روحانيتها ودلالاتها إلا حين التقيتهم ورافقتهم، بينما طائرات الاستطلاع الحربية الإسرائيلية تُحلق في الأجواء، نسيتُ صوتها وأنا أتأملُ كل ملامح الجمال في المكان المقفهر، المُعدم من وسائل الحياة، لكنه مع ذلك يُعطي أحرار العالم وأهل غزة المحاصرة كل الأمل وكل الحياة الكريمة، عجبًا لهم ترفعوا عن كلِ شيء، ليُهدوننا أثمن شيء، الحرية والتحرير والكرامة، ليُهدوننا الإنسانية، عجبًا لهم كم أحببتُ عملهم، وكم تمنيت لو يفسحوا لي المجال؛ لأحفرَ معهم، وأساعدهم وأكونَ أختًا لهم؛ فمن قال أن القوارير لا يجبُ أن تكون في موضعٍ كهذا..؟

نموت لتحيا فلسطين، أعز أمانينا أن نصلي في المسجد الأقصى وأن ندخله فاتحين محررين فلسطين من رأس الناقورة إلى رفح هي ملكٌ لنا ولا شأن للغزاة المحتلين بها

مازحتهم سائلة، والحقيقة لم أكن مازحة بل جادة "لِمَ لا تكون هناك أنفاق نسائية، تحفرها النساء اللواتي لديهن شغفٌ عميقٌ واستماتة في المقاومة، النساء الزاهدات في الدنيا، الراغبات في الآخرة، اللواتي يدفعنَ ما تبقى من أعمارهن، لأجل أن ينعمنَ بهذه السكينة وبهذا الهدوء الذي يسري في قلبي وشراييني بينما أنا معكم؟ أجابوا ضاحكين "وحدي الله يا أم محمد" وقد كانتْ كُنيتي التي صرحتُ بها لهم حينَ سألوني أم ماذا يُنادونكِ؟ فقد كان وقع الكنيةِ الوهميةِ على قلبي ألذ من طعم الشهد، إذ أشعرتني بنكهةِ الألقاب المستعارة كلازمةٍ أساسيةٍ في عالم العسكر، الذي يقتضي التنكر في كثيرٍ من متطلباته، ثم واصلوا قولهم بعد أن طلبوا مني توحيد الإله "لو كان هناك نفق للنساء لحولنّه إلى قلعةٍ لتناول الشيبس والبسكويت والشكولاتة، فالقوارير بطبعهن رقيقات، ولا يتحملنَ ضنكَ العملِ هنا".!

لم أقتنعْ بما قالوه، لكنني واصلتُ اكتشفُ رهبة المكان من حولي، قبل أن تقتحم عقلي مؤامرات العالمِ التي أحيكتْ ضدهم، قُلتُ في نفسي تبًا لهذا العالم الظالم كيفَ يُنكرُ عليهم حقهم في الجهاد والمقاومة؟ وكيفَ تأتيه الجرأة أن يصفَ سلاحهم بغير الشرعي، كيفَ يُريدُ أن يجردهم منه، إننا نضيعُ بدونِ هؤلاء العمالقة الذين صادقوا باطن الأرض فكانتْ فراشهم الناعم والحنون، فلا قيمة لي ولا لأهلِ غزة ولا لكلِ فلسطينيٍ حر بدون سلاح المقاومة وتحديدًا سلاح كتائب الشهيد عز الدين القسام.

قطعَ أفكاري هذه صوتُ أحدهم يُنشد بصوتٍ أجمل من الجمال "أحمد ياسين علمنا كيف نخدم وطنا" أتيتُ إليه مسرعة، ستُغني لي أكمل أرجوك، فيا لحُسنِ حظي أنني ألتقيكم في شهر آذارـ مارس شهر الأرض والجمال،  شهر ارتقاء القادة العظماء فالشهيد إبراهيم المقادمة والمؤسس الروحي لحركة حماس الشهيد أحمد ياسين وليس انتهاءً بالشهيد والأسير المحرر المبعد إلى غزة مازن فقهاء كلهم ارتقوا في شهر آخرُ أيامه يشهدُ مناسبة خالدة مناسبة يوم الأرض، وإنه من كرم الإله أن يتزامن التقائي بكم أيضًا في ظلِ مناسباتٍ عزيزةٍ على قلبي كأنثى كمناسبتي يوم المرأة العالمي ويوم الأم.

وكأن الله يُريد أن يُعززَ لي ولكم نهج الشراكةِ حتى في المقاومة والتضحيات فأي عملٍ لا يكونُ للمرأة بصمة واضحة فيه، هو عملٌ بحاجةٍ إلى مراجعة، وإني لأطمح أن أكون دومًا بينكم أنقلُ أخباركم، حياتكم الإنسانية، جمال أرواحكم لأصحح فكرًا أعوجًا رسخ في أذهان البعض "بأنكم إرهابيين" أنتم أكثر إنسانيةٍ منا، يكفيكم أنكم تُضحون بأرواحكم لأجل أن نحيا نحن..!

قلتُ لهم في النفق لا تحزنوا إن وصفوا سلاحكم بغير الشرعي وقالوا عنكم إرهابيين.. فالله معكم وكل أحرار العالم معكم

من أقوالهم الخالدة لي في باطن الأرض "نموت لتحيا فلسطين، أعز أمانينا أن نصلي في المسجد الأقصى وأن ندخله فاتحين محررين فلسطين من رأس الناقورة إلى رفح هي ملكٌ لنا ولا شأن للغزاة المحتلين بها، اللاجئون سيعودون الأسرى سيتحررون المقاومة نورثها لأبنائنا فهي عندنا إرثٌ تاريخي من الأب إلى الإبن ومن الجد إلى الحفيد"..

تأملتُ في وجوههم فرأيت المعالي سيماههم، فأغلبهم من حملة الشهادات العلمية، ولديهم أعمال أخرى غير عملهم الجهادي هذا لكنهم يحرصون على أن يكونوا في مقدمة الصفوف من أجل حماية الثوابتِ والقضية الفلسطينية..

انتهتْ مهمتي بينهم، عزّ عليّ أن أودعهم، لكن عزائي أن رحلتي الصغيرة التي قضيتُها معهم، أكسبتني دروسًا وعبرًا لم تنجح أي مدرسة ولا أي جامعة في إكسابي إياها، لفتوا انتباهي أكثر لمعنى التضحية، التضحية التي عليّ أن أتفانى فيها ولو كانتْ على حسابِ نفسي، لقد أيقنتُ بفعلهم لا بمجرد القول، لذة قوله تعالى "وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ" كيف لا وهم آثروا الأرض والقدس والأقصى وآثرونا على أرواحهم، وهل أغلى من الروح؟ ...

حقًا قد أفلح رجال الأنفاق الذين هم في أعمالهم مخلصون، والذين يدافعون بأغلى ما يملكون، شعارهم النصر أو الشهادة ولا طريق ولا خيار آخر، هم أنقى رجال الأرض، هم أحلاهم، هم أخلصهم، هم أكثرهم عزة وشموخًا، هنيئًا لي أن كنتُ معهم في الغار، نعم هكذا تخيلتُ المشهد في الغار، يقتدون بالرسول الأمين محمد وصاحبه أبو بكر الصديق حين قال له لا تحزن إن الله معنا، قلتُ لهم في النفق لا تحزنوا إن وصفوا سلاحكم بغير الشرعي وقالوا عنكم إرهابيين.. فالله معكم وكل أحرار العالم معكم، يكفي أن غزة رغم كل أزماتها تهتفُ باسمكم وتقول لكم كل يوم "أناديكم أشد على أياديكم أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم"..!