امرأتان وحيدتان بمجد عظيم.. قطعة من جمر الذكريات

السبت 10 مارس 2018 07:55 م بتوقيت القدس المحتلة

في حالة رجل كموسى عليه السلام، الذي صنعه الله على عينه، واصطنعه لنفسه، واختاره لمهمتين جسيمتين، مواجهة الطاغية الذي جعله الله نموذجًا للطغيان، ومدخلاً لفهمه وتحليله، أي فرعون الذي علا في الأرض، ثم انتشال مجموعة بشرية تشرّبت العبودية وأخلدت إلى الأرض بها، في حالة كهذه، نلاحظ حضورًا مكثّفًا للنساء اللصيقات بموسى، في سياق إعداده وتهيئته وصناعته.

أمّه إحدى العاقلات العظيمات، وزوج فرعون إحدى الكاملات النادرات، وأخته إحدى الفدائيات المذهلات، وزوجه إحدى الأمينات الآسرات، مع شحّ في حضور الرجال في علمنا قبل نبوته، فأبوه غير معلوم الحال لنا، وأخوه هارون آزره الله به بعد نبوته ورسالته، والشيخ الكبير من أهل مدين جاء في مرحلة متأخرة، وعلى نحو عابر، وبهذا وبغيره، صنع الله موسى على عينه، واصطنعه لنفسه، وأرسله إلى فرعون، كي يرسل معه بنو إسرائيل!

حضرتني هذه الفكرة في خطبتي في الجمعة الأخيرة، إذ جعلت وزارة الأوقاف موضوعها يوم المرأة العالمي، وتذكرتُ في حياتهِ نساءً قليلات، ولكنّهن عظيمات، وحتمًا مع الفارق بين نبي الله موسى، وواحد من جملة الناس، فإنّ القليل من حكايتهن كان كالتالي.

وحدها بعد زواجها منه، حملت كتفًا عن أمه، تزوجته قبل أن تتخرج من جامعتها، وتخرجت وهو في سجنه لدى الاحتلال، وعملت كي تتدبّر له أثمان كتبه ومجلاته في سجنه

في قاعة انتظار المحكمة العسكرية الفلسطينية الخاصّة التي عُقدت له، وفي المرات القليلة النادرة التي تمكنت أمّه فيها من رؤيته في هذه المحكمة، نظرت إليه وقالت له: "هذه الطريق يا بنيّ أنت وحدك الذي اختارها، ولا يمكنك إلا الاصطبار عليها، ثمّ إنني تعلمت الصبر منك، وأنا خجلة أن أعظك في هذا الموضع"، نظر إليها خجلاً، يتضاءل ويتعاظم في الوقت نفسه، يقول في نفسه "متى كنت لك معلمًا؟! ولا مرة. إن كنتُ شربت منك الحزن، فقد تعلمت منك الصبر والرضا".

في اعتقاله الأول، وكان طالبًا في الثانوية العامّة، متفوقًا طول دراسته، وبعد أن خلع جنود الاحتلال الباب طرقًا في آخر الليل، وهم يجرّونه لسيارة الاعتقال، قالت له أمّه "لا تخف يا بنيّ. هؤلاء لا يخيفون أحدًا"، لا شيء تقريبًا صبّره في "الشبح" وأيام التحقيق المتواصلة، ووحدة الزنزانة، قدر كلمتها هذه، ولما ظلّت فترة غير قادرة على زيارته في سجنه، ظلّ الصبر يفيض من رسائلها المكتوبة إليه.. إلى اليوم يحتفظ بخطها الذي رسم اسمه وعنوان غرفته في سجنه، على كتبه التي كانت تحملها إليه في الزيارات، الصبر يفيض من ذلك حتّى، ثم صار فيما بعد يحتفظ بخط زوجه على أغراضه.

يقول إنّها ولا مرة قالت له لم فعلت بي هذا؟! وكيف لا يرى ذلك شيئًا عظيمًا وغريبًا وهو بِكْرُها الذي صار يتيمًا في التاسعة من عمره، وأكثر إخوته عافية في صحته، ثم وفي لحظة يتمه، أخذ يرسم السجن بين عينها، وترى نفسها في القليل القادم من السنوات تتفحص وجهه في أقفاص الزيارة في سجون الاحتلال، تخرج إلى سجنه فجرًا وتعود إلى بيتها ليلاً، وفي كل مرّة تتجلّد وهو ينظر إلى عينيها، تمنع الدمعة، وتخفي عنه ما يزعجه من أخبارهم وضيق حالهم، وتحمل إليه ما يثقل يديها، وينعش قلبها، من أغراض زيارته.

وحدها مع زوجه، وحدهما هكذا حرفيًّا، حملا همّ قضيّته واعتقاله القاسي لدى السلطة، دارا على مقرّات الأجهزة الأمنية، وحدهما، طرقا باب المحكمة العليا، وحدهما، وسّطتا مؤسسات حقوق الإنسان، وحدهما، استنجدتا بالمحامين، وحدهما، تكفّلتا بكل ما يلزمه، وحدهما، انشغلتا به، طعامه، وشرابه، وكتبه، ومجلاته، وملابسه، وزياراته، والسعي لعلاجه أثناء اعتقاله، وحدهما، لا أحد سواهما.

ذات مرّة وقد أقلّت زوجُه حملَه على ذراعها، يتكئ عليها في يوم ثلجي عاصف، تقوده إلى مخبئ له، حين كان مطلوبًا للاحتلال، ثم وسّدته حجرها في غرفة فقيرة من الأثاث، وألقت سكينتها على جسده المثقل بالحمّى والمرض، حتى إذا استفاق بعد ساعتين، وجدها قد ألقت عليه ثوبها، وقد صار البرد عليها دفئًا وسلامًا.. لا شيء يتذكره هنا، سوى أنها قالت له في ساعة جدال بينهما "ما تزوجتك إلا لأدخل بك الجنّة"..

عرسها لم يكن كأيّ عرس.. إذ أخذها من قاعة عرسها إلى شقّة لا تدري بها، ولا يدري بها أيّ أحد، ثم ظلّت تلاحقه من مخبئ إلى آخر، تحمل له طعامه وملابسه، وتدبّر له أمر دراسته في الجامعة التي طال شأنه معها، وكأنّها -وهي زوجه- كأخت موسى، تغامر، فيما يحجم عنه الرجال، ليستند إليها رجل، حتى كادت تُقتل حينما اعتقلته القوات الخاصة من شارع في قلب رام الله، وهي متشبثة به، وحدها متشبثة به، ليقتلعوها عنه بدفعها ورميها على الأرض، لكنّ جذرها ظلّ في قلبه.. وتمامًا كما كان يشرب الحسرة وأمّه تقول له "أنا مين إلي غيرك بعد الله"، وهو يقول في نفسه "بل أنا.. مين إلي غيرك بعد الله".. كان يضحك وزوجه تقول له "أنت سندي في هذه الحياة" وقد استند عليها طويلاً، ولم ير منها، ولو مرّة واحدة استغرابًا لانعكاس الحال، أو ضيقًا من ضيق الحال..

وحدها بعد زواجها منه، حملت كتفًا عن أمه، تزوجته قبل أن تتخرج من جامعتها، وتخرجت وهو في سجنه لدى الاحتلال، وعملت كي تتدبّر له أثمان كتبه ومجلاته في سجنه، أرهقها بذلك كله، وأرهقها هي وحماتها، وهما تنظران فرادة حالته في سجنه لدى السلطة، أو ندرتها، وقلة شركائه في عين محنته، تأتيان متصبرتين لتغسلاه من همّه، فترجعان بهَمّ الأرض كله بعدما تعاينان حاله في أسره.

قطعة صغيرة من حكايتهما.. لا رجال فيها.. ولكنّهما امرأتان وحيدتان بمجد عظيم!