في ذكرى مئويته.. السلطان عبد الحميد بعيدا عن التمجيد

الثلاثاء 13 فبراير 2018 01:52 م بتوقيت القدس المحتلة

في ذكرى مئويته.. السلطان عبد الحميد بعيدا عن التمجيد

بقلم الكاتب السوداني: وائل علي

تمر في هذه الأيام الذكرى المئوية لرحيل السلطان عبد الحميد الثاني، أحد أهم سلاطين الدولة العثمانية في القرون المتأخرة، ولا خلاف بين المؤرخين حول عهد السلطان عبد الحميد أنه كان عهدا استثنائيا في زمن الدولة العلية العثمانية، وأن السلطان عبدالحميد في شخصه كان من السلاطين العظام على غرار السلطان سليم الأول (ياووز سليم) والسلطان محمد الفاتح والسلطان سليمان القانوني.

ولما كان السلطان عبد الحميد سلطانا عظيما، فإنه كان على عادة العظماء مثيرا للجدل حيا وميتا، بين من يعتبره سلطانا قويا وحازما ومن يراه مستبدا ودمويا أحمر، وفي هذا الجدل (السفسطائي) تبقى الحقيقة هي الخاسر الأكبر، فمحبو السلطان ينسجون الأساطير لدعمه بينما يروج أعداؤه أساطير مضادة لا ترى فيه سوى طاغية دموي.

لقد وصل السلطان عبد الحميد إلى الحكم خلفا لشقيقه السلطان مراد الخامس، الذي كان مصابا بمرض نفسي والذي أوصل للحكم بمؤامرة دنيئة على السلطان عبدالعزيز رحمه الله، تم فيها خلعه ثم قتله وروج بعد ذلك أن السلطان عبد العزيز انتحر، ولقد شاهد عبد الحميد تجربتين مريرتين وهو في عمر صغير، تجربة عمه السلطان عبد العزيز الذي رفض كل شيء، وبالتالي خسر كل شيء، وتجربة أخيه السلطان مراد الذي قبل بأي شيء فخسر أيضا كل شيء، فأدرك أهمية ألا يخالف ولا يوافق ويسعى لأن يشكل قوة مستقلة يستطيع بموجبها تحجيم الجيش وفي الوقت نفسه التصدي للمؤامرات الغربية.

السلطان عبد الحميد كان خليفة مخلصا في نيته وموقفه من قضية فلسطين هو موقف مشرف وسيظل يذكر له عبر الأجيال ولكن الإخلاص لا يكفي فالطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة

أظهر السلطان عبد الحميد اللين أول عهده وقبل بالدستور والديمقراطية (المشروطية)، لكن تبين أن قبوله به لم يكن سوى موقف مرحلي سرعان ما تراجع عنه ليقمع الحريات ويعطل الدستور. كان السلطان عبد الحميد يواجه معضلة حقيقية تكشفها مذكراته المنشورة، وهي كيف يقبل بالمشروطية  (الديمقراطية) والتي كانت سوف تؤدي في النهاية لتقسيم الدولة العثمانية إلى أعراق شتى وأديان مختلفة، خصوصا في ظل علو الفكر القومي في القرن التاسع عشر، فالدولة العثمانية عندما تخلت عن طابعها الديني فقدت روحها و شرعيتها، فما الذي يدفع شخصا في أقصى اليمن أو الصومال أو البلقان ليقبل بأن تحكمه أسرة تركية سوى الشرعية الدينية، ولهذا كان مستحيلا أن تكون الدولة العثمانية على نفس نمط الدول التي أقرها صلح وستفاليا، الذي رسخ فكرة فصل المؤسسة الدينية عن السياسية كحل لأزمة الحروب الدينية في أوروبا.

انقلب السلطان عبدالحميد على الدستور وحاول أن يقارب بين الدولة الإسلامية بشكلها التراثي ودولة وستفاليا، فأسس واقعيا لفكر الإسلام السياسي في إطار محاولته لحل أزمة شرعية الدولة العثمانية في آخر عهدها بمحاولة أسلمة دولة وستفاليا وتسمية دولة وستفاليا (المتأسلمة) بالخلافة.

ترامى إلى مسامع السلطان عن رجل دين أفغاني يحمل مشروعا جديدا هو مشروع الجامعة الإسلامية، و هو مشروع يدعو لوحدة الصف الإسلامي في إطار يتجاوز فكرة الخلافة، فدعاه إلى إسطنبول على عجل ليفاجأ السلطان عبدالحميد بأن هذا الرجل، وهو جمال الدين الأفغاني، يدعوه للقبول بفكرة تشبه الإتحاد الأوروبي حاليا يجلس فيها سلاطين المسلمين كسلطان المغرب وخديوي مصر وشاه إيران وإمام اليمن و السلطان عبدالحميد تكون بينهم الرئاسة دورية، مرة للترك ومرة للفرس ومرة للعرب وأخرى لأهل المغرب، فرفض عبدالحميد هذا المقترح واعتبره مؤامرة ماسونية تريد خطف الخلافة من الأتراك.

يكمن الفارق بين جمال الدين الأفغاني والسلطان عبد الحميد في أن الأفغاني كان يعتبر الواقع الإسلامي سيئا ينبغي تغييره لتعود النهضة للمسلمين، بينما كان السلطان عبد الحميد يرى الواقع سيئا ولكن ينبغي بذل الجهد الأكبر للدفاع عنه ومنع مؤامرة الغرب من تمزيق العالم الإسلامي. ولهذا فقد كان من الأفضل للسلطان عبد الحميد لو كان فعلا حريصا على الخلافة أن يقبل بمقترحات الأفغاني التي كانت من الممكن أن توقف عجلة المؤامرة الغربية.

أزمة السلطان عبدالحميد كانت هي تقديمه التكتيكي على الإستراتيجي، ولهذا فقد كان من السهل عليه القبول بمنح البلقان حكما استقلاليا من أجل كسب صف بسمارك إلى جانبه في الصراع مع بريطانيا و فرنسا، دون النظر للأهمية الإستراتيجية التي كان يمثلها البلقان للدولة العثمانية كونها في قلب أوروبا، ووجودها في قبضة العثمانيين يضمن إبعاد الأخطار عن عاصمة الخلافة. يضاف إلى ذلك محاولته استغلال المسلمين في البلاد الخاضعة للإستعمار الغربي والزج بهم في عمليات مقاومة انتحارية ضد الاحتلال الغربي، الذي كان راسخا جدا في الجزائر والهند وروسيا القيصرية، ما دفع الفرنسيين و البريطانيين والروس للاجتماع عليه.

نعم المؤامرة الغربية كانت قادمة قادمة مهما فعل السلطان عبد الحميد بسبب انحطاط الهمم الذي ابتليت به الدولة واستشراء الفساد في مختلف أنحائها، ولكن كان ينبغي على السلطان تجنب مواجهة الغرب و محاولة منع اتحاد هذه الدول ضد دولته.

نعم السلطان عبد الحميد كان خليفة مخلصا في نيته، وموقفه من قضية فلسطين هو موقف مشرف و سيظل يُذكر له عبر الأجيال، ولكن الإخلاص لا يكفي، فالطريق إلى جهنم مفروش بالنوايا الحسنة كما قال الشاعر الإيطالي العظيم دانتي. أقول هذا الكلام لأنني لاحظت نبرة تمجيد للسلطان عبد الحميد الثاني في أوساط شبابية غير مطلعة على التاريخ العثماني ربما ترجع هذه النبرة لتأثر المتلقين بالمسلسلات التركية التاريخية، خصوصا تلك التي ينتجها الحزب الحاكم في تركيا.

نعم السلطان عبد الحميد كان سلطانا عظيما لكنه كان رحمه الله مستبدا، وما دخل الاستبداد في حكم إلا أفسده.