رجال يرتدون الحجاب!

الإثنين 12 فبراير 2018 07:39 م بتوقيت القدس المحتلة

رجال يرتدون الحجاب!

عمار مطاوع

مطلع العام، نظم عدد من الشباب والفتيات السعوديون حفلة في جدة، كانت الفتيات فيها سافرات والشباب يرتدون الغطرة المحلية الشهيرة.. رأيتُ الخبر أثناء بحثي عن مصادر أخبار حديثة حول السعودية لأقنع صديق المقهى الذي لا يعرف عن العرب سوى البرقع والصحراء والخيمة والنخيل أن السعودية ليست الصحراء وحسب، رحت أستعرض صور الحفل حين بادرني بسخرية: يبدو أن السعودية تغيرت كثيرا حقا، فالرجال هم من أصبحوا يرتدون الحجاب!

 التحولات التي تحصل في المملكة مدعاة للتأمل، ليس على المستوى السياسي والاقتصادي وحسب، وإنما على صعيد اجتماعي لم يسبق له مثيل، فقبل ساعات فقط من كتابة تلك الكلمات، اعتلت ممثلة سعودية خشبة مسرح بالعاصمة الرياض لتقدم دروها في مسرحية "حياة الإمبراطور" أمام جمهور مختلط من الرجال والنساء، بعد أن كانت تلك المسرحيات مُقتصرة على جنس واحد فقط من الممثلين والجمهور.

يبدو الحدث عاديا جدا لو أنه في بلد غير السعودية، فهناك، حيث كانت الجدالات الكبرى تثور حول مساحة العينين التي يمكن للمرأة الكشف عنها عند زيارة طبيب العيون، أصبحت هي هي التي تشهد واحدة من أكبر التحولات الانفتاحية في المنطقة بهيستيرية؛ لو استمرت لتحولت مكة في غضون سنوات إلى أبو ظبي جديدة تباع فيها الخمور على الأرصفة.

المرأة السعودية تنال حريتها إذن؟ لا بأس، هذا جيد.. لكن كيف يمكن تفسير اعتقال الشابة نهى البلوي في التوقيت نفسه، بعدما أذاعت مقطعا مصورا ترفض فيه دعوات التطبيع مع الاحتلال، وتصفه بالعدو الأبدي الدائم، وتشرح فيه مخاطر التطبيع وآثاره على الشعوب العربية والقضية المركزية.

وكيف يمكن تفسير اعتقال أستاذتين جامعتين، استطاعتا أن تصل إلى تلك المكانة المرموقة في أزمنة القبضة الذكورية للمجتمع، الدكتورة نورة السعد، الحاصلة على ماجستير في الأصول الفلسفية والاجتماعية للتربية من جامعة مينيسوتا الأميركية، والدكتوراه بعلم الاجتماع من جامعة الإمام محمد بن سعود.

الأخرى هي الدكتورة رقية المحارب، أستاذة الحديث وعلومه ورئيسة قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأميرة نورة، وتحمل شهادة الدكتوراه في الحديث وأصوله، وتم اعتقالها ونورة السعد مع عشرات العلماء والدعاة في حملة سبتمبر 2017 دون معرفة مكان احتجازها أو التهمة الموجهة إليها.

والناشطة عائشة المرزوقي، الحقوقية السعودية، أو بالأحرى، السيدة العادية جدا من منطقة بريدة، التي تحولت فجأة ودون رغبتها إلى ناشطة تدعو النساء للتمرد على قيم المجتمع، أو "شر مطلق" كما وصفها قاضي المدينة حينما رفعت دعوى تطالب بمنحها بعض حقوقها أمام سلطة زوجها المطردة.

انتهت رحلة عائشة إلى السويد بعيدا عن المجتمع الذي يرى فيها مسخا مناهضا لقيمه وثوابته، قبل أن يتم اعتقالها في الرياض أثناء عودتها إلى بلدها أكتوبر الماضي، لتواجه تهما تتعلق بتحريض النساء وتهديد قيم المجتمع المحافظ، أو ربما عقابا لها على نشر مقطع مصور من السويد تحكي فيه معاناتها.

واقع المرأة السعودية لا يزال بائسا للغاية رغم محاولات النظام المستميتة لإظهار تحسنات كبرى في الحالة النسوية، لكن الحقيقة هي أن المرأة السعودية تحتاج أولا لتوفير مساحات الحرية الفكرية والنفسية قبل نسختها المادية والإعلامية.

لكن الغريب حقا، الذي لا بد أن نسجله هنا، هو موقف الكتل الفكرية في المملكة من الاضطهاد الذي يطول الكتل الأخرى، فالإسلاميون الذين صفقوا سنوات لاعتقال النسويات المطالبات بأحقية المرأة بقيادة السيارة مثلا، هم من يطالبون المجتمع الدولي اليوم بالتضامن مع معتقليهم.. بينما تقف النسويات وداعميهم اليوم موقف المؤيد لاعتقال الإسلاميات، وكأن الأمر لعبة سخيفة لا حياة تضيع خلف القضبان.

على أي حال، ليكن ما يكون، فلا شيء منطقي هذه الأيام في المنطقة العريبة، لكن السؤال الحقوقي الأهم: ما مستقبل عشرات الفتيات اللاتي يقبعن الآن في المنفى أو السجن نتيجة نشاطهن أو دعوتهن لتحرير المرأة السعودية أو نيلها بعض حقوقها في الحقبة الماضية؟ وهل أدرك الإسلاميون أن تأييدهم للبطش بالنساء بالأمس يدفعون ثمنه اليوم غاليا؟ وهل سيظل موقف العلمانية السعودية من اعتقال الإسلاميات على تلك الدرجة من الوقاحة والنذالة؟ الأيام حبلى بالإجابات.