عندما تتساوى الأوطان

السبت 10 فبراير 2018 07:10 م بتوقيت القدس المحتلة

الغربة تخدع أحيانا.. تريك القنبلة تفاحة، والدمع النازف كحلا، والقبح في وطنك جمالا، والسلاسل التي قيّدتك ذات شباب أساور لم تــُطق نعمتها.. الغربة تريك الوجه الأجمل في وطنك وتخفي خلف ظهر البحر القبح كله.

في الغربة، كان فوق سريري علم بلادي ثبّته بمسامير صغيرة، وبين وسادتي والحائط مذياع قديم أحاول أن أضبط موجته على إذاعة العاصمة قبل أن أنام علّي أسمع أغنية وطنية أحبها أو مذيعة ألفتُ صوتها في غرفة أمي أو شارة الأخبار التي تعطيني مسكّن طمأنينة على بلادي البعيدة، كان الوشيش مرتفعا وتموّج الذبذبات ينغّص عليّ نقاء الصوت بسبب بعد المسافات، لكني كنت أنصت جاهدا لأنتقي الكلام واللحن من بين "تشويش الاغتراب " كما يُنتقى القمح المخلوط بالتراب في آخر الحصاد، كنت رومانسيا جدا وعاشقا لتراب الأرض حدّ الجنون.

كنت أقطع مسافات طويلة حتى أشتري جريدة بلادي التي تصل متأخرة ثلاثة أيام، أتصفحها كما لو أنها قد خرجت للتو من المطبعة، كما لو أنني جالس في "العريشة" أو في الغرفة الشمالية، أدقق في الأخبار المحلية وأسرح في وجوه الناس التي التقطتها عدسات مصوري الصحيفة وأقرأ إعلانات التوظيف الواحد تلو الآخر، تخيّلوا أنني كنت أقدم طلبات توظيف وأنا في الغربة فأنا مثل المطرود من بيته الذي ينتهز الفرصة يكون فيها الباب مواربا ليعود، كنت أمر من أمام بيت بعيد في غربتي لأن فيه ياسمينة تشبه ياسمينة بيتنا، أمشي بمحاذاة السياج لألتقط الزهر الساقط فأشمه وأشم ثياب أمي..

لم يكن لدي تعريف محدد للوطن، لكني كنت موقنا أنه ليس التراب والأرض والسيادة، وليس الراية والهوية.. عندما عدت إلى وطني فهمت معنى الوطن، الوطن كرامة إن سقطت سقط الوطن.. والوطن والداك إن ماتا تساوت بعدهما الأوطان..

في صيف كل عام كنت عندما أظفر بإجازتي السنوية و بتذكرة السفر كأنني ظفرت بجناحي البراق أجهز كل شيء على عجل وأكون أول الواصلين إلى صالة الانتظار..وأنا أمشي على تراب بلدي كنت أخفف الخطى كي لا أؤلمه، أبتسم لكل شيء، وأفرح لأي شيء وأحزن على شباك مدرسة مكسور لا تقوى الدولة على إصلاحه..

الغربة تخدع أحيانا، عندما كنا نأتي بفائض الحنين حيث تسبق أجسادنا اللهفة؛ كان الوطن يقابلنا بفتور مثل حارس ملّ الوظيفة متعب من الوقوف وردّ التحية، يعاني من قلة المدخول وكثرة الأولاد ولؤم الآمرين والمتأففين و السرّاق.. حتى الدالية لم تكن بتلك البهجة التي تركتها أو تخيلتها.

وعندما نحرتُ الغربة تحت قدمي و قررت الإقامة في بلدي، اكتشفت أنني لم أكن أرى سوى وجه القمر البعيد، ذلك المستدير الذهبي الجميل، لم أكن أرى تلك الحفر والأخاديد والظلمات الحالكة، لم أكن أعرف أن وطني "تحت الإقامة الجبرية" ممنوع عليّ مصافحته أو رعايته أو حمايته أو حتى الاطمئنان عليه، لم يكن مسموحا لي التأكد إن كان يأخذ علاجاته المزمنة أم لا، أهو بخير أم لا؟ أهو يراني أم لا؟.. لم أكن أعرف أن المسؤولية في بلدي هي الاسم الرسمي للصوصية، والوطنية هي غطاء المتاجرة، وأن التصحيح الاقتصادي هي "شرشف" الإفلاس والتصفية، والتغني بالوطن هو النواح غير المعلن، ومن نصبوا أنفسهم أطباء عليه هم من يتقاسمون التركة وهم من سيسلموننا الجثة عارية، لم أكن أعرف أنني عاجز إلى هذا الحد، ومحاصر إلى هذا الحد، وخطير إلى هذا الحد، إذا أعربت عن خوفي على وطني فأنا مخرّب، وإذا ساهمت في صنع الوعي الشعبي فأنا محرّض، وإذا حاولت كسر الزجاج عن وطني المحجور عليه وحاولت إخراجه للحياة فأنا ثائر، يصنعون طوقا من عشر طبقات ممنوع الاقتراب أو الاختراق. كن دجاجة أو لا تكون، ضع رأسك في طعامك دون قوقأة أو ثرثرة أو نقطعه لك.. صدقوني لم أكن أعرف كل هذا..

في السابق لم يكن لدي تعريف محدد للوطن، لكني كنت موقنا أنه ليس التراب والأرض والسيادة، وليس الراية والهوية ومكان الولادة.. كل هذه الأشياء قد تتحقق في أي بقعة يابسة.. عندما عدت إلى وطني فهمت معنى الوطن: الوطن كرامة إن سقطت سقط الوطن..والوطن والداك إن ماتا تساوت بعدهما الأوطان..

لقد تساوت لدي الأوطان الآن... وما عاد يرعبني الرحيل.. أو التمدّد قربهما