عماد العلمي.. درس في الحياة وفي الممات

الإثنين 05 فبراير 2018 01:30 م بتوقيت القدس المحتلة

عماد العلمي.. درس في الحياة وفي الممات

"وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا".. جاء في الأحاديث أن عدد الرسل ثلاثمائة وبضعة عشر، وعدد الأنبياء مائة ‏ألف وأربعة وعشرون ألفا، ونحن لا نكاد نعرف منهم إلا النفر اليسير، وهم أفضل البشر، وأكرم بني آدم، وأرفع الناس مرتبة عند الله، وقد اعتاد الناس أن يقولوا عن بعض من لم يشتهر من أصحاب الخير والفضل والسبق "حسبه أن الله يعرفه"، وهذا التصور يجد في الإسلام ما يسنده من قيم إخلاص العمل والمكابدة الدائمة لتجريده لله جلّ وعلا، وعلى أي حال، فإن الله تعالى أغفل حكاية عشرات آلاف الأنبياء، وفي ذلك عبرة عظيمة فيما نحن بصدده.

هذه القيم قد تأخذ في التراجع؛ لدى أصحاب الأدوار التي تتطلب غالبا في ذاتها ظهورا وبروزا إلى الناس، أو لدى أصحاب الأدوار السياسية التي تنبثق عنها طبائع التنافس والخصومات، حتى في سياق المهمات العظمى؛ كمهمات التحرر، والجهاد، وقيادة الناس، وفي هذه السياقات تكون مثل هذه المكابدة أشدّ، لما يتولد عن الانتباه لضرورة المكابدة، ثم التزام المكابدة؛ من الاغتراب.

وبعدما توفي أخيرا أحد القادة المؤسسين لحركة حماس، والفاعلين طوال تاريخها، داخل الأرض المحتلة وخارجها، (عماد العلمي)، ركز العارفون به، ممن عرفوه عن قرب، أو اشتغلوا معه، على ما انطبع به من صفات الزهد، والبعد عن مسالك السياسيين في تنافساتهم وخصوماتهم، واجتناب الشهرة والأضواء.

نشأت حماس في الداخل، وقادت جهادها من الداخل، وتركزت تضحيات ومعاناة أبنائها داخل الأرض، وهو ما يلقي بأعباء ثقيلة على أي قيادة أو مرجعية تعيش في الخارج

وقد لفتني من بين مهمات الرجل الكثيرة التي تولاها داخل حركة حماس؛ قيادته في مرحلة من المراحل للمكتب الإعلامي للحركة، ثم مسؤوليته -بعد إبعاده- عن قيادة التنظيم داخل الأرض المحتلة، أي أنه كان مرجعية للتنظيم في الداخل من موقعه فيما عرف بالمكتب السياسي في الخارج.

اللافت في المهمة الأولى، أنها إعلامية، أي تتطلب في ذاتها ظهورا وبروزا إلى الناس، لكن الرجل لم يجد ذلك ضروريا، إذ يمكن القيادة من الخلف، وإعطاء الأولوية للإدارة لا للظهور، وإذا كانت أدوات الظرف التاريخي في ذلك الحين الذي تولى فيه هذه المهمة؛ فقيرة، فإنه لم ينزع إلى الظهور فيما بعد، وكان يمكنه الاستناد إلى أدواره التاريخية، ومكانته، بالإضافة لقدراته، لتعزيز حضوره الإعلامي، لكنه لم يفعل, وفي حدود علمي القاصر، لا أعلم أنه أنشأ حسابا له على أي من مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أكاد أذكر له ظهورا متلفزا إلا الشيء النادر.

وأما المهمة الثانية، وهي بالغة الخطر، أيْ قيادة التنظيم في الداخل من الخارج؛ إذ نشأت حماس في الداخل، وقادت جهادها من الداخل، وتركزت تضحيات ومعاناة أبنائها داخل الأرض، وهو ما يلقي بأعباء ثقيلة على أي قيادة أو مرجعية تعيش في الخارج. أعباء نفسية وأخلاقية قد تفوق الأعباء الإدارية والتنظيمية والأمنية؛ إذ ينبغي ألا يقتصر دورها على توفير أقصى ما يمكن توفيره لإسناد الكوادر والعناصر وعموم الناس، وتعزيز صمودهم داخل الأرض المحتلة، وإنما كذلك الاستشعار الدائم بالتفاوت في ظرف التضحية بين من يقود المواجهة من الخارج، وبين من يواجه الاحتلال من الداخل، بالشكل الذي يستنزفه من كل جوانب وجوده؛ في حياته وعمره، وفي رزقه وأمنه وأمن أسرته ومصالحه واستقراره.. الخ، وهو ما ينبغي أن يعظم حينها من قيم التورع عن مسالك المنافسة والخصومات. الذي يقود حركة فيها شهداء وأسرى، سواء كان آمنا من ذلك أم لا، يفترض فيه ألا يغادره هذا الشعور الدائم بالمسؤولية الأخلاقية، على نحو محايث، ولا ينفك عن المسؤولية الإدارية والتنظيمية.

حفظ لنا القرآن، والسنة، والتاريخ، حقيقة أدوار لمجهولين لا يؤبه لهم، ولكنهم عظماء عند الله، ولآخرين زهدوا في الشهرة والأتباع حتى أن أحدهم كان إذا كثرت حلقته، أو جلس إليه أكثر من ثلاثة، قام مخافة الشهرة، وبعضهم ما كانت تزيد حلقته على أربعة أو خمسة، ثم إن الله خلد ذكرهم وعظّمه لحكمة يعلمها، ومنهم من صار مذهبه وعلمه مبثوثا على طول الزمان وعرض المكان، دون أن يسعى إلى ذلك. رحم الله عماد العلمي، لعله كان درسا بليغا في حياته وأثناء قيامه بمهماته، وبعد وفاته.