إن لم تكن قوياً فمن يأبه بك؟!

السبت 03 فبراير 2018 12:52 م بتوقيت القدس المحتلة

إن لم تكن قوياً فمن يأبه بك؟!

محمود مرداوي

إن لم تكن قوياً فمن يأبه بك؟!

وإن لم تكن ثائراً فكيف ستعِد حقوقك ؟!

الشعب الفلسطيني يتعرض لأبشع عملية قمع وترويع عرفها التاريخ المعاصر تنفَّذ بشكل مبرمج ومدروس، تُستخدم فيها كل وسائل القهر والاضطهاد والإكراه على جلود الناس ومصدر قوتِهم، ومصادرة أراضيهم ومنع الوصول إليها والتنقل منها وإلى القرى المجاورة والمدن القريبة ،والمؤسسات الحيوية في الصحة والتعليم وغيرها ممن يحتاجها الناس ولا يمكن الاستغناء عن خدماتها.

الاحتلال يحاسب الناس على أنفاسهم ويتدخل في تفاصيل حياتهم محاولاً قطع الاتصال بينهم وبين حقولهم وأراضيهم، ويوثق ارتباطهم بسوق العمل ( الاسرائيلي) حتى يسهل عليه تمرير مخططاته ومشاريعه ،من ناحية يُجذّر استيطانه في الضفة  من خلال توسيع المستوطنات القائمة والاستمرار بإقامة نقاط ومستوطنات جديدة ،ويباشر خطط لشوارع التفافية بين المستوطنات والمعسكرات تحقق أهداف سياسية للعدو وأمنية وعسكرية واقتصادية، سياسية تخلق وقائع تنهي أي تواصل ما بين المدينة والأخرى وفي كثير من الأحيان القرى والبلدات لدرجة يصبح فيها متعذراً على أي فلسطيني في الضفة الغربية التنقل من تجمع لآخر دون أن يمر على حاجز تفتيش أو أكثر.

من ناحية أمنية وعسكرية يجعل من القدرة على استغلال المناطق المفتوحة والخالية للاستفادة في مجال الإعداد والتدريب والاستعداد للمقاومة صعبة جداً ، كما يسهل عليه سرعة التحرك والتنقل وضرب الأطواق الأمنية والحواجز الطيارة، وعزل مناطق بأكملها عن باقي المدن والبلدات والقرى المحيطة فيها .

أما من ناحية اقتصادية فيحاول العدو بشكل مستمر ضرب الاكتفاء الذاتي وتطوير مفهوم البدائل الاقتصادية من خلال الفلاحة والاستثمار في الأرض الزراعية، وربط الناس مباشرة بسوق العمل (الاسرائيلي) لتحقيق أغراض متعددة :

أولها : ربط الناس بالاقتصاد (الاسرائيلي) بحيث يتعذر عليهم وعلى أبنائهم الانخراط في المقاومة مقابل سحب التصاريح وقطع فرصة العمل في سوق العمل الصهيوني، خاصة أن هذا الأمر يحقق فائدتين؛ الأولى ربط مصير فئات مجتمعية واسعة في ضرورة الاستقرار الأمني والانفصال الشعوري عن السلطة وفصائل المقاومة .

أما الفائدة الثانية فالعمالة الفلسطينية أقل تكلفة وخطورة أمنية من أي عمالة أخرى، خاصة عمال أوروبا الشرقية والأفارقة الذين يثقلون على دولة الاحتلال بطلب اللجوء ونشر الرذيلة والمخدرات، وبوابة مفتوحة لأجهزة المخابرات العالمية تدخل وتتجول في عالم المعلومة الصهيونية في شتى المجالات والميادين .

إن السلطة في هذا الواقع مستهدِفة ومستهدَفة للأسف، من ناحية سياسية مستهدَفة ومطالبة بدفع ثمن الدعم المالي الذي تلقته على مدار ٢٦ عاملاً بعشرات مليارات الدولارات وجعل من موظفيها الأمنيين طبقة وسطى وجزء منهم عليا اقتصادياً رغم قلة المؤهلات والكفاءة؛ فهي مطالبة بأن تصادق على الحل الإقليمي دون نقاش،فلا شيء في هذه الدنيا يُعطى دون مقابل إلا كما قال أجدادنا إلا العمى والطراش ...فالمال السياسي مشروط بأثمان سياسية حتى عندما ترفض السلطة القبول بهذا الحل وتصدع بذلك لا تجرؤ أن تتجاوز حدود الموقف وتُتبع ذلك بالسماح بفعل ميداني يتناسب مع حجم المخاطر وضرورة استمرار الثورة والنضال من أجل استعادة حقوق الشعب الفلسطيني ...

 أما أن السلطة مستهدِفة فهي مسؤولة مسؤولية مباشرة عن كل ما يجري في الضفة الغربية من مضاعفة الاستيطان من خلال مفاوضات غطت على سوأة العدو وبشاعة جرائمه وانتهاكه لحقوق الشعب الفلسطيني من خلال القتل والاعتقال والهدم والإبعاد .

وعلاوة على أن السلطة من خلال المفاوضات العبثية طوال ٢٦ عاماً غطت على جرائم الاحتلال وانتهاكاته تعاونت وساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في قتل الروح النضالية لدى أبناء الشعب، وسهلت تمدد الاستيطان وتجذره وانتشاره كالسرطان في الضفة عندما منعت المقاومين من المقاومة من خلال الاعتقال ومصادرة الأسلحة الشريفة التي قاتلت وأثبتت جدواها في مراحل النضال والجهاد الفلسطيني السابقة .

إن السلطة الفلسطينية تتحمل بشكل مباشر كل ما يجري للفلسطينيين من نكبات وكوارث، وهي مطالبة بتعديل موقفها والاعتذار للشعب الفلسطيني على الأخطاء المنهجية التي ارتكبتها بحق هذا الشعب الأبي المقدام .

إن انتفاضة الأقصى التي جُرمت من كهنة السياسة وأباطرة السلطة قهرت الاحتلال ووضعته أمام تساؤلات كبيرة، وتحديات مكلفة جداً أجبرته على الانكماش والهروب، بدأت في غزة ثم انتقلت إلى الضفة، لكن الخطة تجمدت وانكفأت بحجم ما سيطرت وهيمنت أجهزة السلطة في الضفة، فشكلت تعويضاً أسهم في التراجع وعدم الاستمرار في تنفيذ الخطة طالما أن التكاليف لم تعد كبيرة ...

إن الاحتلال استقى الدروس والعبر من انتفاضة الأقصى التي دخلت على غرفة تفكيره وأثرت على ثقة الاحتلال بمشروعه، وبدأ لأول مرة بالانكفاء في داخل فلسطين تحت ضربات النار والحديد، مباشراً في تقطيع أواصل الضفة والقضاء على المورد الأساسي الذي شكل بديلاً عن الاحتلال وسوق العمل فيه، وسارع في ربط مصير فئات مجتمعية واسعة اقتصادياً في سوقه ، مصراً على تغيير بنية الأجهزة الأمنية وعدم إبقائها على حالة الارتباط بالقوى الوطنية وعلى الرأس منها فتح ... أجهزة قام بتهذيبها وأجهزة قام بتنظيفها والإشراف على كل العناصر الموجودة في صفوفها بفضل وجود المنسق دايتون، وإشراف أجهزة مخابرات عربية ودولية .

إن هذه المحاولات لترويض وتدجين الحالة الأمنية ودفعها لقهر الإرادة الفلسطينية في ظل سلطة غيّبت مناهج زراعة الوعي الوطني والثوري من مناهجها،كان يُقصد منها قتل الشعب الفلسطيني بشكل جماعي وجعله فاقد الإرادة، مستهلِكاً للذل والهوان، عاجزاً عن إنتاج العزة والإباء ...

لكن الوقائع والمعطيات والمشاهد والمجريات على الأرض لا تشي بذلك، ولا زال الاحتلال يمارس كل وسائل القمع وآخرها ما جرى اليوم في جنين وقراها وسائر الضفة والقدس من اعتقالات وترويع وتهديد تؤكد أن الشعب الفلسطيني عصي على التدجين ويرفض المساومة على حقوقه ووطنه .

ن الشعب الذي يقدم الدم بسخاء على مذبح الحرية والتحرير يملك إرادته، ومن يملك إرادته سيقول كلمته، وأن عقرب الساعة لن يبقى متبلداً واقفا ً على مؤشر الظروف الصعبة، وسينصف الفلسطينيين ولن يمرروا لحظة إذا هبت رياحك فاغتنمها.

وسيعيدوا لفلسطين بسمتها وحضورها تحت شمس الحرية ..