مواجهة ترامب بخطاب مرتفع وسقف منخفض

الثلاثاء 30 يناير 2018 08:38 م بتوقيت القدس المحتلة

لم تتوقف تهديدات ولا خطابات «الزعماء والقادة» العرب، منذ أن أعلن ترامب عن القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ومنذ ما قبل الإعلان الذي اعتبره بعضهم بمثابة إعلان حرب أو نسف لخيارات «السلام»، وكانت الخطابات الرنانة وما زالت تهدد أميركا والكيان الصهيوني ومصالحهم واستقرار المنطقة.

وبعد مضي قرابة الشهرين على إعلان ترامب لم يحدث تنفيذ فعلي لأي من هذه التهديدات، ولم يتراجع ترامب بل هدد بمزيد من الخطوات، وتبجح في آخر لقاء له مع نتنياهو قبل يومين بعزمه إخراج القدس من أية «مفاوضات» مقبلة، وهذا يعني أنه حسمها بالكامل لصالح الاحتلال والمشروع الصهيوني، وهذا التمادي هو نتيجة طبيعية لحالة التراجع والتخاذل الرسمية العربية والإسلامية.

في الشارع وعلى مستوى الشعوب، خرجت الجماهير بالملايين إلى الشوارع من طنجة حتى جاكرتا، ولم يبقَ تقريباً مكان في العالم الإسلامي وغير الإسلامي إلا وكان فيه حراك لأجل القدس، وعلى العكس كانت مواقف الدول والأنظمة في أفضلها «كرنفالية» لا ترقى للحدث ولا تغير فيه.

بعض الرؤساء تحدثوا بخطابات نارية مفعمة بالحماسة والتحدي لقرار ترامب، لكنهم على الأرض لم يفعلوا شيئاً يدفع الإدارة الأميركية للتراجع عن الإعلان، أو حتى التفكير فيه مجدداً، بل استمرت علاقاتهم الرسمية بالإدارة الأميركية، والبعض الآخر لم يكلف نفسه حتى بالخروج في خطاب من أجل قضية الأمة الأولى ومسرى رسول الله، واكتفوا ببيانات شجب واستنكار ورقية.

لا شك أن توقيت الإعلان وظروفه مدروسة بعناية، وهي أمور مدبرة كما هو حال كثير من الأزمات التي اُفتعلت أو تفاقمت وتعقدت في الشهور الأخيرة في المنطقة والوطن العربي، ولا ينفصل عن ذلك التضييق والحصار الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة وبعض شعوب الأمة، كلها تسير في نسق واحد، بهدف أن تمضي مثل هذه المخططات بسلام، ويكون اهتمام الشعوب بها أقل ما يمكن، ويكون فعل الحكومات أقل ما يجدي.

إننا أمام مرحلة غير تقليدية من مراحل الصراع، يوشك الأمر فيها أن يصل إلى ذروته، والتهديد ليس للإنسان في فلسطين فقط، بل للمقدسات والجغرافيا أيضاً، وهذا الأمر يتجاوز من حيث المكانة والقيمة حدود فلسطين، وأيضاً من ناحية التأثير والامتداد، ومن ذلك ما يُشاع عن مشروع لدولة فلسطينية في سيناء، وتوطين الفلسطينيين في الأردن ولبنان، ضمن ما تسمى بـ «صفقة القرن».

رغم شيوع هذه المعلومات حول الصفقة، أو البيانات على مواقع الإنترنت، وبين الناس وعلى لسان الملوك والرؤساء، ومنهم مؤخراً ملك الأردن، الذي تناقلت الصحف والوكالات أقواله لسعد الحريري حولها، إلا أن الدول العربية لا تزال تقف موقف المتفرج أمام مشروع صهيوأميركي، يفترض به تهديد أراضيها، إلا أن هناك مشكلة ثقة أصيلة مع الأنظمة العربية، أو أجزاء منها وهي لربما لا تكون متفرجة، بقدر ما تكون متواطئة وشريكة في هذه الصفقة.

اسمها «صفقة»، وهذا يعني أن هناك بيعاً وشراء في الأمر، ولا ندري من البائع حتى اللحظة، وقد ندري لكن ننتظر الأيام لتكشفه أو تكشفهم أكثر، وربما بعض الرؤساء الذين رفعوا أصواتهم في وجه ترامب مختلفون، ليس على المبدأ وإنما على الثمن، أو لأنهم ليسوا ضمن المستفيدين من الصفقة لا أكثر، وما يحدد هذا الأمر من عدمه هو مدى التزامهم بالخطوات الفعلية على الأرض، التي من شأنها إفشال الصفقة أو دفع ترامب للتراجع، قد لا يكون الثمن نقوداً، ربما أيضاً ملكاً أو سلطة أو حكماً وهمياً ونفوذاً.