اللوحةُ المُشرِقةُ لحصار غزة

الأحد 28 يناير 2018 10:57 م بتوقيت القدس المحتلة

في محطات التاريخ المختلفة، وخلال الأزمات والكوارث والحروب فإن تصرفات الناس تختلف وتتغير وتُصبحُ على حالةٍ غير التي يحرصون على الظهور بها في الأوضاع الطبيعية، فيغيب النظام، وتنتشر الفوضى، ويأكل القوي الضعيف، بل وتغيب مختلف معالمِ القيم والأخلاق، ويُصبح تصرف الناس والأفراد أو الجماعات مُعتمداً على تقديم المصلحة الشخصية فقط لكل فرد من أفراد المجتمع على أي مصالح أخرى، ويبدأ التنازع والتناحر في مشهد يُشبه الغابة تماماً، لينتهي البقاء فيها للأقوى والأقوى فقط.

في قطاع غزة ومنذ عقد من الزمن وزيادة، يعيش مليونان من البشر يزيدون وينقصون بفعل الحروب والأزمات والحصار عليهم من القريب أو البعيد، وخلال هذه الفترة عاشوا حروباً عسكريةً ثلاث، واجتياحات لقوات الاحتلال الصهيونية واغتيالات وغيرها بالمئات، كما عاشوا حروباً من نوعٍ آخر، بات يُهدد لقمة العيش، فبات الرجل في كثيرٍ من الحالات يخرجُ من بيته كي لا يرى أطفاله يضورون جوعاً، ورجال من هذا الصنف لم يفلحوا في قتل ذلك الجوع والفقر عملاً بوصية من قال: ” لو كان الفقر رجلا لقتلته”، ولأنهم فشلوا في قتل الجوع، إلا أنهم تركوا أمعائهم وأطفالهم تأكلُ بعضها دون أن يسمع صوتهم أحد، فالأنين أمام الجوع يشكلُ لهم هزيمةً لا تليق بأهل فلسطين.

على مدارِ سنوات حصار غزة الطويلة، عَمِلَ الأعداء والخصوم على حدٍ سواء لحجب أي صورةٍ مُشرقة لهذا الشريط الساحلي الضيق بمساحته، المُتَسِع بقيمه وعاداته وأخلاقه وإبداعاته، فباتت الأخبار لا تتحدث إلا عن بقعةٍ “غير صالحة للعيش الآدمي، وهي مكان فيه انتشارٌ للسلب والفقر للأمية… وغيرها من الألوان القاتمة التي حاولوا ولا يزالون تلوين صورة غزة من خلالها.

لكن وعلى الرغم مما ذكرناه سابقاً عن التصرفات المتوقعة من الشعوب في ظل وجود حالةٍ تُشابه تلك التي يعيشها أهل غزة، إلا أن ما يجري على هذه البقعةِ الطاهرة يختلف تماماً عما “مفترض” أن يحدث، في غزة الأمور خارج المنطق البشري، ومن صورها المُشرقة رغم الحصار وقلة ذات اليد ما يلي:

1- رغم الحاجة والفقر وقلة المال وانقطاع الكهرباء، فنسبة التعليم في غزة هي الأولى على مستوى الوطن العربي “الوطن الذي تنفق بعض بلدانه المليارات”، لكنها تبقى تعيش في ذيل القافلة من حيث الأمية والجهل.

2- رغم الحاجة والفقر وقلة المال فأهالي قطاع غزة يرفضون باستمرار الخضوع والخنوع والركوع إلا لله، وقد فشلت كل صواريخ وقذائف ومؤامرات الاحتلال الصهيوني وأعوانه في كسر إرادتهم وتخليهم عن حقهم في أرضهم ووطنهم.

3- رغم الحاجة والفقر وقلة المال والأنصار، فغزةُ وأهلها في كل يوم يسجلون تقدماً في مجالات الإبداع والعلم والنهضة التي تُحاصرها أطرافٌ متعددة لإخمادها وحجبها عن الظهور، لكنها بإرادة أهلها تأبى إلا الظهور والخروج للعيان.

4- رغم الحاجة والفقر وقلة المال وكثرة الحروب، إلا أنه لم يُسجل في غزة انتشار للسرقات والفوضى والقتل لأجل لقمة العيش “لم يُسجل أمرٌ كهذا كظاهرة مجتمعية”.

5- رغم الحاجة والفقر وقلة المال وانتشار البطالة وارتفاع نسبة العنوسة في صفوف الشباب، إلا أنه لم يُسجل في غزة ظواهر “تحرش” أو “اغتصاب” وغيرها من الظواهر الاجتماعية التي تفتك بالعديد من المجتمعات العربية “على الأقل” والتي تعيش أوضاعاً أفضل كثيراً مما تعيشه غزة.

6- في غزة أيها الكرام ورغم شدة الحروب، تبقى البيوت مفتوحةً خلال الحروب التي تخللت هذا الحصار الظالم، ليعود أهلها إليها بعد خمسين يوماً فيجدوها كما هي دون سرقة لممتلكاتها أو اعتداء عليها.

7- في غزة وخلال الحروب، وحينما اضطر بعض رجال المقاومة للمكوث في بيوت بعض المواطنين واضطروا لأكل طعامهم منها تركوا ثمن الطعام داخل تلك البيوت وكتبوا بجانبه عبارة “سامحونا يا أهل هذه الدار.. أكلنا من طعامكم وتركنا ثمنه”..

8- في غزة تنتشر حملات تلو أخرى تحث على الفضيلة والتكاتف والتلاحم الاجتماعي، تنتشر حملاتٌ للحث على صلاة الفجر، فينتفضُ الناس وتتحول صلاة الفجر كصورةٍ مكررة من صلاة الجمعة، يعملون بنصيحة الناصر “صلاح الدين” وكأنه يُشير لأهالي غزة فيقول: “من هنا يأتي النصر”.

9- وفي غزة أيضاً تنتشر حملات “مسامحة الغير” مثل حملة “سامح تؤجر” ليقوم من له ديون على الآخر بمسامحته، ولا يطلب منه ماله الذي هو حقه ورغم حاجته الشديدة له، بل ومن يمتلك وجبة غدائه يقتسمها مع جاره الذي جلس صامتاً مع أطفاله ينتظر طارقاً لباب منزله يحملُ بعض الطعام.

10- في غزة وفي غزة فقط، يبحث المواطن الفلسطيني عن فعل الخير، ولا يتركه صغيراً كان أو كبيراً، وباتت نظريته في ظل الهجوم الذي يتعرض له الفلسطيني من بعض الشعوب العربية، والحصار من الاحتلال وحلفائه في المنطقة ” ما حكَّ جلدك مثل ظفرك”، يفعلون ذلك الخير ليُبقوا على حالة ممانعة العدو من انتهاك آخر ما تبقى من بلاد العرب والمسلمين.

لسانُ حال غزة وأهلها: رغم أن ترابنا بات قاحلاً لا نبات أخضر فيه، أو زهرٍ أصفرٍ، أو ماءٍ يدفع بذوره للنهوض إلى الأعلى، إلا أننا سنرسم من شعاع الشمس لوحة ذهبيةً تسرُ الناظرين، ولن يكتب التاريخ ذات يومٍ أننا رفعنا رايةً بيضاء لزنجي أو روسي لفظته بلاده فأتى إلينا سارقاً بعد أن عطفنا عليه.