حماس والقدحة المعنوية الكبرى

الخميس 25 يناير 2018 01:18 م بتوقيت القدس المحتلة

حماس والقدحة المعنوية الكبرى

بقلم الكاتب والمحلل السياسي: رائد أبو داير

يعتبر الكثير من المفكرين أن حركة المقاومة الإسلامية حماس استطاعت أن تراكم نجاحاتها تطورا تلو آخر وصولا إلى أنها أصبحت تمثل المقاومة الفلسطينية، وذهب البعض منهم وعلى رأسهم المفكر محمد أحمد الراشد إلى وصف حماس بأنها "القدحة المعنوية الكبرى"، ربما يختلف البعض منا أو يتفق مع كتابات الأستاذ المفكر الراشد، ولكن نعتقد أن استخدامه لاصطلاح "القدحة" لم يكن عبثيا، بل يعني أن حماس لم تكن رافعة للقضية الفلسطينية فقط، ولكن للأمة العربية والإسلامية ولأحرار العالم ونخبهم.

وبمزيد من التفكر ونحن نقرأ تاريخ النشأة وواقع التجربة ومستقبل التوجه، نجد أن حركة حماس هي القدحة المعنوية الحقيقية في رسم خارطة مستقبل الأمة العربية والإسلامية؛ لأنها امتلكت زمام المبادرة ومارست المخاطرة الباذلة في أن تكون رأس الحربة في مواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة لأنها مطمئنة لصوابية طريقها.

عندما يجلس أي منا كنخب ومثقفين عربا أو مسلمين عامة، وفلسطينيين خاصة، ونقرأ بعين المراقب والمتابع للقضية الفلسطينية، نجد أن حماس أثرت بشكل مباشر وغير مباشر في كل مراحل التطور على القضية الفلسطينية منذ انطلاقتها حتى يومنا هذا، وربما يتمثل هذا التطور في التالي:

رغم الحصار ومحاولات الإفشال لنموذج الحكم الذي تصدرته حماس منذ فوزها الكاسح بالانتخابات التشريعية، والصمود بحروب ثلاثة متوالية، إلا أنها استطاعت أن تقدم نموذجا بالحكم لم تتوقعه الدول الكبرى

أولا: إن انطلاقة حماس 1987م أسقط المفاهيم المهترئة التي حاول الغرب وقادة الأنظمة العربية إلصاقها بالثورة الفلسطينية مثل العلمانية والشيوعية والقومية، وليس ذلك فحسب، بل إن حماس عمّقت الفهم الإسلامي لحقيقة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي بأنه صراع عقدي، ولاقى هذا الأمر تجاوبا كبيرا من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية؛ لأنه توافق مع الفطرة الإسلامية التي خلقها الله في شعوبنا التي تعلم يقينا أن حماس أعادت للقضية الفلسطينية هويتها الإسلامية من خلال القدحة المعنوية لمفهوم المقاومة ضد الاحتلال.

ثانيا: إن حماس اتخذت منذ انطلاقتها قرارا بأن لا تتدخل في الشأن الداخلي لأي من الدول وهذا بخلاف حركات فلسطينية أخرى التي ضاقت بعض الدول ذرعا بتدخلاتها، والنماذج في لبنان وسوريا والأردن كثيرة، وهذا جعلها برغم اختلافها مع الأنظمة العربية محل احترام ومحل وجوب العمل على التعامل معها وهذا ما يتحقق اليوم؛ فهي على علاقة مع مختلف المتناقضات في الأنظمة العربية والإسلامية، وهذا لأن حماس ساهمت في تحقيق القدحة المعنوية للوعي عند النخب وصناع القرار في كثير من مواقع الحكم والتأثير، فهم رغم اختلافهم معها وعداوة بعضهم لها إلا أنهم يدركون أنها تمتلك مناصرة الشعوب من أدنى الأرض إلى أقصاها، وقادرة على تحريكهم لأنها ولسبب بسيط مفتاح ثوابت القضية الفلسطينية، لذا أصبحت حماس من أهم عوامل الاستقرار في العالم العربي والإسلامي.

ثالثا: رغم الحصار ومحاولات الإفشال لنموذج الحكم الذي تصدرته الحركة منذ فوزها الكاسح في الانتخابات التشريعية عام 2006، وكذلك الصمود في حروب ثلاثة متوالية منذ 2008 حتى 2014 إلا أنها استطاعت أن تقدم نموذجا في الحكم لم تتوقعه الدول الكبرى، وذلك لأن ما مورس ضدها لو حدث في دول أخرى لتغيرت أنظمتها وانهارت أركانها، فهي أيضا مارست القدحة المعنوية في بناء نموذج المقاومة والحكم رغم كل المؤامرات التي تحيكها بعض القيادات الفلسطينية والعربية والدولية ضدها إلا أنها أثبت لهم جميعا أنها الرقم الصعب؛ فلا قرار في الشأن الفلسطيني إلا بموافقتها.

بات جليا أن حماس كانت القدحة المعنوية الكبرى في وقتنا الحاضر لكي الوعي للشعب الفلسطيني وللأمة العربية والإسلامية، لذلك حق لها أن تستحوذ القلوب وتنال ثقة شعبها وأمتها

ما سبق يجعلنا نتوقف أمام هذه الممارسة الحمساوية التي تُحسن العمل في أكثر من اتجاه في وقت واحد، فمثلا: حماس هي التي تمثل معادلة استقرار النظام السياسي الفلسطيني، وفي نفس الوقت هي التي تمثل محور وبؤرة الإجماع الفصائلي الفلسطيني، وهي التي تحافظ على الحقوق والثوابت الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة لجموع شعبنا الفلسطيني في الشتات، وهي التي تحتضنها شعوبها العربية والإسلامية وما زالت جموع الشعوب تهتف لها ولمجاهديها، وهي التي تقف على مسافة واحدة في علاقاتها الخارجية مع عمقها العربي الإسلامي الرسمي والشعبي.

حماس اليوم لم يعد وجودها ونجاحها حاجة فلسطينية فقط، بل أضحت ضرورة للنخب والشعوب العربية والإسلامية، وهذا يعني أن نشأة حماس كما يقول الراشد: كانت قدرا خيريا للأمة، ففي الوقت الذي تمتلك فيه المرونة المتناهية، فهي لم تفرط في ثوابت قضيتها وأهمها إسلامية القضية الفلسطينية لأنها تأخذ بالأسباب المادية كما تأخذ بالقواعد الفقهية والتشريعية. لقد بات يقينا أن كل حمساوي ينوب عن الأمة كلها في مواجهة الطغيان والغطرسة الأمريكية التي تطوع خيرات الأمة ومالها ثمنا لاستقرار أنظمة حكم مهترئة وصولا لحماية الكيان الصهيوني الذي بات زواله أمرا واقعا ومحققا عقديا وسياسيا.

بات جليا أن حماس كانت القدحة المعنوية الكبرى في وقتنا الحاضر لكي الوعي للشعب الفلسطيني وللأمة العربية والإسلامية، لذلك حق لها أن تستحوذ القلوب وتنال ثقة شعبها وأمتها.